فوزي آل سيف

38

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

عمل الإمام الهادي في مواجهة تيارات الغلو: رأى الإمام الهادي عليه السلام فيما نعتقد أن خطورة تيارات الغلو وأفكاره أشد من خطورة تيار البغض والنصب كما ذكرنا، وسيستمر ابنه الامام الحسن العسكري في نفس هذا الخط، فعمل على عدة اتجاهات: 1/ فضح رموز الغلو، وكبار الغلاة.. حتى يحد من تأثيرهم في المجتمع الشيعي والموالي. وذلك أن "منبع" التلوث ما لم يغلق فإنه لا ينفع تنظيف السواقي! وإن معالجة الفكرة فقط في وسط المتأثرين غير كاملة التأثير وإنما لا بد من غلق باب الوباء الفكري، وعندها ينفع الإصلاح والتثقيف. وفي هذا المجال تم تحديد الأشخاص المهمين والذين ـ كما تقدم ـ وصل عددهم إلى عشرين شخصًا، وصدر اللعن بحقهم والبراءة منهم بخط الإمام ولسانه،[121]وعرفوا بأنهم خط منحرف شديد الانحراف كما كان أسلافهم وسابقوهم. وفيما سبق من الصفحات نقلنا شيئا من كلمات الإمام فيهم. 2/ تخطئة الأفكار ونبذ المنهج الذي صار إليه الغلاة، وأن هذا ليس من الإسلام ولا من التشيع ولا يرضى عنه الأئمة المعصومون، وقد مر بنا قبل قليل ما أجاب به الإمام الهادي عليه السلام من كتب إليه في شأن ما يقوله علي بن حسكة من أفكار: "كذب ابن حسكة عليه لعنة الله وبحسبك أني لا أعرفه في موالي ماله لعنه الله، فوالله ما بعث الله محمدا والأنبياء قبله الا بالحنيفية والصلاة والزكاة والصيام والحج والولاية، وما دعا محمد صلى الله عليه وآله الا إلى الله وحده لا شريك له. وكذلك نحن الأوصياء من ولده عبيد الله لا نشرك به شيئا.." إلى آخر رسالته عليه السلام الذي ذكرناها آنفًا. وتشير الروايات إلى أن ابن حسكة هذا كان من النشطين في بث انحرافاته، وأنه كان "أستاذ القاسم اليقطيني وهو أيضا من الغلاة " ولكن باقي الغلاة أيضا كانوا يبثون نفس الشبهات، الأمر الذي جعل بعض أركان التشيع يكتبون للإمام وقد رأوا نشر أولئك لتلك الأفكار في وسط الشيعة ويطلبون منه الجواب، فجاء جواب الإمام حازما: ليس هذا ديننا فاعتزله! فقد " حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، كتب إليه في قوم يتكلمون ويقرأون أحاديث ينسبونها إليك والى آبائك فيها ما تشمئز فيها القلوب، ولا يجوز لنا ردها إذا كانوا يروون عن آبائك عليهم السلام، ولا قبولها لما فيها، وينسبون الأرض إلى قوم يذكرون أنهم من مواليك وهو رجل يقال له: علي بن حسكة، وآخر يقال له: القاسم اليقطيني:من أقاويلهم: انهم يقولون إن قول الله تعالى: " ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " معناها رجلٌ. لا سجود ولا ركوع، وكذلك الزكاة معناها ذلك الرجل لا عدد درهم ولا اخراج مالٍ، وأشياء من الفرائض والسنن والمعاصي تأولوها وصيروها على هذا الحد الذي ذكرت. فان رأيت أن تبين لنا وأن تمن على مواليك بما فيه السلامة لمواليك ونجاتهم من هذه الأقاويل التي تخرجهم إلى الهلاك. فكتب عليه السلام: ليس هذا ديننا فاعتزله!.[122] وفي مورد ثالث يبين الإمام عليه السلام عبودية الأئمة الكاملة والتامة لله عز وجل وأن ما عندهم من الكرامة والعلم ليس إلا لأجل أنهم يسجدون له[123]ويسبحون بحمده وأن الشيطان ليفرح إذا انزلق المسلم إلى مستنقع الغلو.

--> 121 ) الطوسي: 2/٣٨٩ في حق الفهري وابن بابا القمي "وأني ألعنهما عليهما لعنة الله" 122 ) الطوسي: 2/٣٨٧ 123 ) المسعودي: إثبات الوصية ٢٣٥ عن الفتح بن يزيد الجرجاني قال: ضمني وأبا الحسن عليه السّلام الطريق لما قدم به المدينة فسمعته في بعض الطريق... وأخذ الإمام في وصف عظمة الله سبحانه وأضاف:" إن اللّه لم يظهر على غيبه أحدا إلّا من ارتضى من رسول، وكلّ ما عند الرسول فهو عند العالم، وكلّ ما اطلع الرسول عليه فقد اطّلع أوصياؤه عليه. يا فتح عسى الشيطان أراد اللبس عليك فأوهمك في بعض ما أوردت عليك وأشكك في بعض ما أنبأتك؛ حتى أراد ازالتك عن طريق اللّه وصراطه المستقيم، فقلت متى أيقنت انّهم هكذا: فهم أرباب. معاذ اللّه، انّهم مخلوقون مربوبون مطيعون داخرون راغمون. فإذا جاءك الشيطان بمثل ما جاءك به فاقمعه بمثل ما نبأتك به. قال فتح: فقلت له: جعلني اللّه فداك فرّجت عني وكشفت ما لبس الملعون عليّ فقد كان أوقع في خلدي انّكم أرباب. قال: فسجد عليه السّلام فسمعته يقول في سجوده: راغمًا لك يا خالقي داخرًا خاضعًا".