فوزي آل سيف
26
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
ولم يتوقف الأمر مع موت المنصور العباسي بل جعله سياسة دائمة[94]وصبغة لازمة، وسار أبناؤه وأحفاده مع أحفاد أمير المؤمنين وأئمة أهل البيت عليهم السلام بنفس السياسة (وإن كانت مظاهرها تتغير ودرجتها تختلف من حاكم عباسي لآخر إلا أن الجوهر واحد) فجاء المهدي ابنه وسار على نهجه، وبعد المهدي العباسي جاء الهادي والذي نفذ مجزرة في فخ هي ثانية كربلاء[95]من حيث قسوتها وشناعتها، وبنفس المقدار الذي ترجم فيه الحاكمون وحشيتهم وقسوتهم فقد شكل ذلك وقودا للثوار العلويين يدفعهم باتجاه رفض الخنوع والقبول بالحكم العباسي. وهكذا تتابعت الأمور، وكان الشق يزداد بين (أبناء العمومة) حتى لقد فعل بنو العباس في بني علي ما لم يفعله بنو أمية.[96]وكان هم العباسيين إثبات أن شرعية الخلافة هي لهم دون العلويين وان نسبهم إلى النبي أقرب فالعم (العباس) أقرب من ابن العم (الإمام علي) وأن الحسنين ليسا ابني النبي وإنما أبناء بنته![97] كل ذلك يمكن فهمه ضمن إطار التنافس السياسي على الحكم، إلا أننا نعتقد أن الأمر قد تجاوز موضوع التنافس على الحكومة إلى إيجاد حالة من البغض خاصة لأمير المؤمنين علي عليه السلام، حتى ليصل في زمان المتوكل العباسي إلى درجة (النصب) ويعد المتوكل هذا من (النواصب)! مظاهر بغض المتوكل للإمام علي: قد نقلنا في بعض الحواشي في صفحات سابقة هذه النصوص وأمثالها التي تثبت شدة بغض المتوكل وحاشيته لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، والتي ذكرها أكثر من مؤرخ من بينهم الطبري، وابن الأثير ونعيد ذكر تلك العبارات لمناسبتها للموضوع هنا وارتباطها به قال: ابن الأثير في كتابه: 1/ «في هذه السنة (230 هـ) أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، عليه السلام، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يبذر ويسقى قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، فنادى [عامل صاحب الشرطة] بالناس في تلك الناحية: من وجدناه عند قبره، بعد ثلاثة، حبسناه في المطبق! فهرب الناس، وتركوا زيارته، وحرث، وزرع. 2/ وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب، عليه السلام، ولأهل بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى عليا وأهله بأخذ المال والدم.
--> 94 ) الطبري: تاريخ الطبري 8/ 104 «لما عزم المنصور على الحج دعا ريطة بنت أبي العباس امرأة المهدي- وكان المهدي بالري قبل شخوص أبي جعفر- فأوصاها بما أراد، وعهد إليها، ودفع إليها مفاتيح الخزائن، وتقدم إليها واحلفها، ووكد الايمان الا تفتح بعض تلك الخزائن، ولا تطلع عليها أحدا إلا المهدي، ولا هي، إلا أن يصح عندها موته، فإذا صح ذلك اجتمعت هي والمهدي وليس معهما ثالث، حتى يفتحا الخزانة فلما قدم المهدي من الري إلى مدينة السلام، دفعت إليه المفاتيح، وأخبرته عن المنصور أنه تقدم إليها فيه ألا يفتحه ولا يطلع عليه أحدا حتى يصح عندها موته فلما انتهى إلى المهدي موت المنصور وولي الخلافة، فتح الباب ومعه ريطة، فإذا أزج كبير فيه جماعة من قتلاء الطالبين، وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم، وإذا فيهم أطفال ورجال شباب ومشايخ عدة كثيرة، فلما رأى ذلك المهدي ارتاع لما رأى، وأمر فحفرت لهم حفيرة فدفنوا فيها، وعمل عليهم دكان.." 95 ) المجلسي؛ المولى محمد باقر: مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول٤/١٦١: روى مؤلف كتاب عمدة الطالب عن أبي نصر البخاري عن محمد الجواد بن علي الرضا عليهما السلام أنه قال: لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ. وروى صاحب معجم البلدان عنه عليه السلام مثله. 96 ) حتى لقد قال الشاعر: تالله ما فعلت أمية فيهم... معشار ما فعلت بنو العباس 97 ) تجد أن أكثر الخلفاء العباسيين يناظرون العلويين في أنهم أقرب إلى النبي ويعطون الأموال الطائلة للشعراء الذين ينشدون في معنى ( أنى يكون وليس ذاك بكائن لبني البنات وراثة الأعمام)! فترى المنصور العباسي يستميت جاهدا في إثبات ذلك في وجه محمد النفس الزكية، وهو مرة أخرى مع الإمام الصادق، والمهدي مع الامام الكاظم، والرشيد مع الإمام الكاظم أيضا والمأمون مع الإمام الرضا وهكذا..