فوزي آل سيف

25

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

أقول: لم يقدم الشيخ المهاجر حفظه الله ما يفيد من القرائن على ارتياح الإمام عليه السلام لذلك السفر،[90]على أن موضوع إمكانات التواصل المذكور كوجه مؤيد، يمكن معارضته بأن المدينة المنورة تمتلك مثل هذا باعتبار وجود قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ومسجده وذلك نقطة جذب وغطاء مناسب لمن أراد الوصول للإمام في المدينة، ولا سيما في فترات الحج والعمرة حيث يختم الناس نسكهم ذاك بزيارة قبر النبي والصلاة في مسجده. دور الإمام العلمي والثقافي في الأمة من خلال تتبع الوضع الذي عاصره الإمام الهادي عليه السلام، وجدنا أنه عمل على أصعدة متعددة؛ فمن جهة واجه تيار البغض لأمير المؤمنين علي عليه السلام، والذي كان يهدف إلى إسقاط نموذجه المثالي في الحكم وإعاقة الاقتداء به في الأمة، ومن جهة أخرى قاوم تيارات الغلو في المعصومين، وسبحان الله فقد كان يعمل صلوات الله عليه في خطين متعارضين تماما ومتضادين، فبينما كان تيار البغض (والنصب) كان في أقصى المغرب كان تيار الغلو والارتفاع في أقصى المشرق! وأيضا عمل صلوات الله عليه في مواجهة الخط القشري المجسِّم والذي (ألّهَ) الأحاديث وسحق العقل، وفي أثناء ذلك خلق الخلفاء والحكام العباسيون صراعات لا معنى لها ولا فائدة منها للأمة. وبناء على ذلك سنتناول خمسة عناوين، تشكل مفاتيح لفهم دور الإمام عليه السلام: 1/ الإمام في مواجهة خط البغض والنصب. 2/ الإمام في مواجهة تيارات الغلو. 3/ الإمام في مواجهة التيار القشري المجسِّم. 4/ في مواجهة الاتجاه الجبري والقدري. 5/ موقف الإمام في فتنة خلق القرآن. أولا: الإمام في مواجهة خط البغض والنصب: يمكن القول بأن الدولة العباسية تأسست على إقصاء الفرع العلوي من بني هاشم، وإضعافه.. بل إذا احتاج الأمر إلى قتل أفراده وبكل قسوة لما ترددت! ويعود ذلك إلى أن العباسيين وقد سرقوا جهود العلويين في النهضة ضد بني أمية، وأبهموا عنوان (الرضا من آل محمد) حتى يستطيعوا أن يستثمروا الجهود لصالحهم، وكانوا قد فتحوا حسابًا خاصًا لهم، وإن كانوا يظهرون أنهم مع بني عمهم العلويين،[91]بل انقلبوا عليهم بعدما كانوا قد بايعوهم،[92]وبالطبع فقد قاوم العلويون وبالذات بنو الحسن المجتبى ذلك التنكر لهم والانقلاب عليهم، لا سيما وأن العباسيين وبالذات المنصور العباسي كان يريد إذعانهم وإقرارهم بالبيعة له وإلا سجنهم أو قتلهم، وأدى ذلك إلى إعلان بعضهم الثورة عليه، وخاض المنصور العباسي المعركة بكل أسلحته، وكان منها تشويه سمعة جدهم الإمام الحسن وجدهم الأعلى الإمام علي عليهما السلام، ومسح كل حسنات جده عبد الله بن عباس التي تعلمها من أمير المؤمنين علي عليه السلام، وغيّر اتجاه الأسرة العباسية؛ انتماءً وعقيدة وفقهًا ليصبح على خط المواجهة الساخن مع كل ما يمثله أمير المؤمنين من عقائد وفقه وانتماء اجتماعي وولاء. وأعلن الحرب على كل شيء يرتبط به.[93]

--> 93 ) تجد تفاصيله في سيرة الإمام جعفر الصادق عليه السلام. 90 ) بل ربما يستفاد من بعض روايات المناقب لابن شهراشوب أنه أخرج من المدينة إلى سامراء قهرا، ولكنه انسجم مع البقاء فيها وقد نقله العطاردي في مسند الإمام الهادي/ ٤٤: قال يوما الامام عليّ بن محمد: يا ابا موسى أخرجت إلى سرّ من رأى كرها ولو أخرجت عنها أخرجت كرها. قال: قلت: ولم يا سيّدي ؟ فقال: لطيب هوائها وعذوبة مائها وقلّة دائها. 91 ) في كتاب أخبار الدولة العباسية/200 ( نسخة الكترونية في المكتبة الشاملة): «قال عيسى بن حمزة الهمدانيّ ابن أخت بكير: سمعت بكيرا يقول: قلت لمحمد بن علي: أتاني عند شخوصي إليك نعي أخي من السند وترك مالًا كثيرًا أنا وارثه فإن أذنت لي في الخروج في طلبه خرجت ووافيتك عند أوان حاجتك إليّ. قال: قد أذنت لك فامض على بركة الله لوجهك ولا تظهرنّ جدّا، ولتكن دعوتكم وما تلقى به العامة أن تدعوهم إلى الرضا من آل محمد، وتذكر جور بني أميّة، وأن آل محمد أولى بالأمر منهم، فإذا بلغك أنّ الأحول من بني أميّة قد ملك فعجّل الإقبال إليّ ولا تعرّج على شيء، وأبلغ أصحابك ما ألقيت إليك ومرهم بالكفّ إلّا في مثل ما ألقيت حتى يأتيهم رأيي، ‌وحذّر ‌شيعتنا ‌التحرك ‌في ‌شيء مما تتحرك فيه بنو عمّنا من آل أبي طالب، فإن خارجهم مقتول وقائمهم مخذول وليس لهم في الأمر نصيب». 92 ) توضيح ذلك في سيرة الإمام جعفر الصادق عليه السلام وأدوار المنصور العباسي.