فوزي آل سيف
70
الأعظم بركة الإمام محمد الجواد
ولم نطّلعْ تاريخيًّا أيام العباسيين على حالةٍ تم فيها الفحص على المتوفَّى وكشف سبب وفاته، وإنما كانت تطوى القضية وتسجل على أنها وفاة طبيعية إلا ما نُقل في شأن الإمام موسى بن جعفر[163] وهذا لم يكن من طرف السلطة وإنما هو بطلب من أحد أصحاب الإمام عليه السلام، وأما غير هذه الحالة فلم نعثر على إجراء ولو شكلي بأن يكلف طبيب أو أطباء لكشف سبب الموت. ولا سيما بالنسبة للإمام الجواد حيث قضي عليه وهو في عنفوان شبابه؛ ابن خمس وعشرين سنة! وهو إلى ذلك صهر الخليفة السابق المأمون فتكتسب القضية زخمًا إضافيًّا، لكن كل ذلك لم يكن نافعًا ما دام المتهم هو من داخل الجهاز الحاكم. ونعتقد أن هناك أربعة أشخاص على الأقل تشاركوا في مؤامرة الاغتيال للإمام بدرجات متفاوتة من حيث التحريض والتخطيط والتنفيذ. الأول: القاضي أحمد بن أبي دؤاد الأيادي؛ وقد مر الكلام عنه فيما مضى من الصفحات وكيف أشار على المعتصم مدفوعًا بحسده للإمام واستكباره عن أن يشار إليه بأنه أخطأ الحكم الشرعي الصحيح، فكان هذا دافعًا له لتحريض المعتصم - الذي كان بدوره يريد التخلص من الإمام وجاء هذا التحريض ليوفر له المبرر والدافع-. الثاني: أم الفضل زوجة الإمام عليه السلام، التي نحتمل أنها ما كانت راغبة في هذه الزيجة أو منسجمة معها، كما ذكرنا ذلك في فصل الحياة الأسرية، وقد علل بعض المؤلفين تآمرها عليه بحسدها لسمانة التي كانت مقربة من الإمام ومنجبة له جميع أولاده، وغيرتها منه فانتقمت بهذه الطريقة[164]، ونحن وإن لم نقبل هذا التعليل إلا بكونه واحداً من الأسباب الشخصية، لكننا نقبل ما نقلوه من دور لها في عملية التسميم والاغتيال، وقد حدث مثله كثيرا في التاريخ[165]، ويستغل بعض المغامرين الزوجة المنحرفة عن زوجها أو صاحبة المشاكل معه لتنفذ لهم ما لا يستطيعونه. أو قد تلتقي الرغبتان رغبة من الزوجة تنشأ من مشاكل شخصية وحسد وأحقاد مع رغبة سياسية من حاكم سيوفر للزوجة ما تتصوره من الحماية وأنها لن تطالها العقوبة فتقوم بذلك العمل.
--> 163 من أن عليًّا بن سويد السائي قد طلب من طبيب نصراني كان مارًّا على موضع الجنازة. 164 وروى الطبري في دلائل الإمامة / 395: «وكان سبب وفاته أن أم الفضل بنت المأمون لما تَسَرَّى ورزقه الله الولد من غيرها انحرفت عنه وسَمَّتْهُ في عنب وكان تسعة عشر عنبة، وكان يحب العنب، فلما أكله بكت..» وبشكل أوضح قال الحسين بن عبد الوهاب في عيون المعجزات / 118: «ثم إن المعتصم جعل يعمل الحيلة في قتل أبي جعفر عليه السلام وأشار إلى ابنة المأمون زوجته، بأنها تسمه لأنه وقف على انحرافها عن أبي جعفر، وشدة غيرتها عليه، لتفضيله أم أبي الحسن ابنه عليها، ولأنه لم يرزق منها ولد، فأجابته إلى ذلك، وجعلت سماً في عنب رازقي ووضعته بين يديه عليه السلام، فلما أكل منه ندمت وجعلت تبكي..» 165 ومثال ذلك استغلال معاوية بن أبي سفيان لجعدة بنت الاشعث في تسميم الإمام الحسن بن علي المجتبى مما شرحناه مفصلا في كتابنا سيد الجنة؛ الإمام الحسن بن علي وغيرها.