فوزي آل سيف
43
الأعظم بركة الإمام محمد الجواد
ننتهي مما سبق إلى نتيجة أن المدار في الاتباع والطاعة ليس السن في صغره أو كبره، وإن كانت العادة أن يكون النبي أو الامام في سن متعارفة، بل النبي يبعث عادة في سن الأربعين. لكن هذا ليس قاعدة نهائية فقد رأينا في يحيى وعيسى خلاف ذلك، وبينّا أن العمر التكويني ليس هو المقياس وإنما العمر العقلي»[95]. الرابعة: إثبات الأمر بالتحدي العملي: لقد كان الميزان في إلزام الخصوم هو تحديهم عمليًّا، فها هو القرآن يفتح ميدان التحدي لخصومه {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}[96]، وها هو سيد الأوصياء عليٌّ بن أبي طالب يتحدى «سلوني قبل أن تفقدوني فلأنا بطرق السماوات أعلم مني بطرق الأرض..»، وها هم أئمة الهدى عليهم السلام يتحدون غيرهم فلا يثبت الغير أمامهم في الميدان، ويتحداهم غيرهم فيغرقونه في شبر ماء! فلقد جرب الخلفاء العباسيون بدءا من أبي جعفر المنصور مع الإمام الصادق مستعينا تارة بأبي حنيفة وأخرى بغيره، تحدي الإمام جعفر الصادق ومحاولة إحراجه بالمسائل الصعبة الشديدة فإذا به يلقي أمامهم من علومه ما يجعل أبا حنيفة يقول للمنصور (إن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس). ومثله صنع الإمام موسى بن جعفر الكاظم مع أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، والإمام الرضا في ذلك المجلس الكبير والمؤتمر العالمي الذي جهز له المأمون وكان مدار السؤال والجواب على الإمام الرضا عليه السلام حيث أجاب «على أهل التوراة بتوراتهم وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم وعلى أهل الزبور بزبورهم وعلى الصابئين بعبرانيتهم وعلى أهل الهرابذة بفارسيتهم وعلى أهل الروم بروميتهم وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم».[97] وعلى نفس الطريق سار الإمام محمد الجواد عليه السلام، فقد كان مخالفوه (من الواقفة، بل والزيدية في الشيعة) ومن أتباع مدرسة الخلفاء كفقهاء وخصوصاً أولئك المتحفزين ضده من البيت العباسي، واستعانوا بمن كانوا يعتقدون فيه أنه أعلم أهل الأرض لكي يعجز (الصبي الذي لا فقه له كما زعموا). ولذلك فقد عقد يحيى بن أكثم معه مجالس متعددة لكي (يحرجه) في ما ظن بأعقد الأسئلة، وسنعرض إليها وننبه عليها فيما يأتي من الصفحات إن شاء الله تعالى. المجلس الأول: قد ذكره الشيخ المفيد محمد بن النعمان العكبري في كتابه الإرشاد، بتفصيل بينما ذكره غيره باختصار ولذلك سننقل النص عن كتاب المفيد، فقد ذكر في أول الأمر حوار العباسيين مع المأمون وطلبهم منه التريث في تقريب محمد بن علي الجواد (ابن الرضا) وانهم لتوهم قد استراحوا من هَمٍ كان عندهم وهو توليته للإمام الرضا ولاية العهد ففوجئوا بتقريبه لابنه الجواد ورأوا.. كما قالوا: إن هذا الصبي وإن راقك منه هديه، فإنه صبي لا معرفة له ولا فقه، فأمهله ليتأدب ويتفقه في الدين، ثم اصنع ما تراه بعد ذلك.
--> 95 آل سيف؛ فوزي: الامام المهدي؛ عدالة منتظرة 43 96 سورة هود:13 97 الصدوق: عيون أخبار الرضا ١/١٤٠ وقد مر في حاشية سابقة، الإشارة لمصادرها.