فوزي آل سيف
44
الأعظم بركة الإمام محمد الجواد
فقال لهم: ويحكم إنني أعرف بهذا الفتى منكم، وإن هذا من أهل بيت علمهم من الله ومواده وإلهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حد الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبين به ما وصفت من حاله. قالوا له: قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فخلّ بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة، فإن أصاب في الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أمير المؤمنين، وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه. فقال لهم المأمون: شأنكم وذاك متى أردتم. فخرجوا من عنده وأجمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم وهو يومئذ قاضي القضاة على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن تختار لهم يوما للاجتماع، فأجابهم إلى ذلك. واجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه، وحضر معهم يحيى بن أكثم، وأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر عليه السلام دست، وتجعل له فيه مسورتان (وسادتان)، ففعل ذلك، وخرج أبو جعفر عليه السلام وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر، فجلس بين المسورتين، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه، وقام الناس في مراتبهم والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر عليه السلام. فقال يحيى بن أكثم للمأمون: يأذن لي أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر؟ فقال له المأمون: استأذنه في ذلك، فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: أتأذن لي - جعلت فداك - في مسألة؟ فقال له أبو جعفر عليه السلام: «سل إن شئت قال يحيى: ما تقول - جعلت فداك - في محرم قتل صيداً؟» فقال له أبو جعفر: «قتله في حل أو حرم؟ عالماً كان المحرم أم جاهلا؟ قتله عمدا أو خطأ؟ حُراً كان المحرم أم عبداً؟ صغيراً كان أم كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل أم معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد كان أم كبارها؟ مُصراً على ما فعل أو نادماً؟ في الليل كان قتله للصيد أم نهارا؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً»؟ فتحير يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع ولجلج حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره، فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي. ثم نظر إلى أهل بيته وقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه[98]؟
--> 98 المفيد: الإرشاد٢/٢٨٤ وقد نقله بسنده عن الحسين بن محمد بن سليمان، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الريان بن شبيب (والريان بن شبيب كما مر سابقا هو أخو ماردة أم المعتصم العباسي وزوجة هارون، فاطلاعه على داخل ما يجري في القصر العباسي كثير كما أنه من الرواة الثقات ومن أصحاب الإمامين الرضا والجواد عليهما السلام كما وجد هذا الخبر بسند آخر في تفسير علي بن إبراهيم القمي (ت حوالي 329) عن محمد بن الحسين عن محمد بن عون النصيبي. وقد أشار إلى الخبر سبط بن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص ص ٣٢١ فقال:» والامامية تروي خبرًا طويلًا فيه ان المأمون لما زوجه كان عمر محمد الجواد سبع سنين وأشهر وأنه هو الذي خطب خطبة النكاح وأن العباسيين شغبوا على المأمون ورشوا القاضي يحيى بن أكثم حتى وضع مسائل ليخطّىء بها محمد الجواد ويمتحنه وان الجواد خرج عن الجميع، وهو حديث طويل ذكره المفيد في كتاب (الارشاد) والله أعلم». كما ذكره مختصرا علي بن الحسين المسعودي (ت 346) صاحب مروج الذهب، في كتابه إثبات الوصية ص ٢٢٤ ونقله ابن شعبة الحراني (ت في القرن الرابع) في كتابه تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وآله ٤٦٢.