فوزي آل سيف
25
الأعظم بركة الإمام محمد الجواد
وقد واجه الإمام الجواد عليه السلام مواقف متنكرة لإمامته، وأخرى متسائلة تطلب الهداية، وثالثة حائرة.. ولكن الإمام عليه السلام تعامل مع كل فريق بما يقتضيه حاله وهدفه.. وسيأتي الحديث عن مواقف الناس تجاه إمامته في صفحات لاحقة. ونظراً لإقامته الدائمة في المدينة وكون التشيع لأهل البيت قد انتشر في البلاد الإسلامية المختلفة، فكان لا بد من اعتماد طريقة المكاتبة في الإجابة على الأسئلة المختلفة التي ترده من خارج المدينة وكان يأتي بها في الغالب من يأتي للحج أو العمرة وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله. وهذه الملاحظة وجدناها في حياة الإمام الرضا عليه السلام، ولمزيد من التفاصيل يمكن مراجعة كتاب موسوعة مكاتيب الأئمة. وفي موسوعة الإمام الجواد حيث نقل أكثر من 60 كتابا ورسالة متنوعة. «منها إلى وكلائه، ومنها إجابات لأشخاص، ومنها رسائله لأبيه الرضا عليه السلام ورسالته إلى ابنه الهادي عليه السلام»[56] ومنها إلى أشخاص ذكرهم بأسمائهم. وبالرغم من أن بعض العلماء احتملوا عدم حجية المكاتبَات لإمكان ابتنائها على التقية (حيث أنها ستعتبر وثيقة بخط الإمام)، إلا أن الرأي المشهور والمنصور هو أن حال المكاتبات كحال المشافَهات، وأن حملها على التقية لا بد له من قرائن ومبررات، وهذه القرائن كما قد توجد في المكاتبات قد توجد في المشافهات. ولذلك يستدل بالمكاتبات مشهور العلماء من غير توقف بعد سلامة سندها. ما نستفيده بشكل عام من المكاتبات: قد نستفيد من هذه المكاتبات إشارة إلى انتشار التشيع في المناطق المختلفة من العالم الإسلامي، بل ربما كان بعض أمراء وولاة الولايات أو المناصب شيعة لأهل البيت عليهم السلام، وربما لم يكن المعصومون قد وجهوهم إلى ذلك كما كان الحال في مثل ابن يقطين ونظرائه، ومع ذلك كانوا يدينون بالولاء لآل محمد ففي الرواية التي نقلها الكليني حول رجل من أهالي أفغانستان طلب من الإمام شفاعته في حط والي تلك المنطقة ما عليه.. وفعل الإمام ذلك له[57].
--> 56 الكوراني؛ الشيخ علي: الإمام محمد الجواد عليه السلام ٢٩٢ 57 الصالحي النجف آبادي؛ الشيخ عبد الله: موسوعة مكاتيب الأئمة١/ ٣١٤ وقد نقل عن كافي الكليني أن رجلا من بني حنيفة من أهل بست وسجستان (في أفغانستان الحالية) قال: رافقت أبا جعفر عليه السلام في السنة التي حجّ فيها في أوّل خلافة المعتصم، فقلت له وأنا معه على المائدة، وهناك جماعة من أولياء السلطان: إنّ والينا جعلت فداك! رجل يتولاّكم أهل البيت، ويحبّكم، وعليّ في ديوانه خراج، فإن رأيت جعلني الله فداك، أن تكتب إليه كتاباً بالإحسان إليّ؟. فقال لي: لا أعرفه. فقلت: جعلت فداك! إنّه على ما قلت: من محبّيكم أهل البيت، وكتابك ينفعني عنده. فأخذ القرطاس وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنّ موصل كتابي هذا ذكر عنك مذهباً جميلا، وإنّ مالك من عملك ما أحسنت فيه، فأحسن إلى إخوانك، واعلم أنّ الله عزّ وجلّ سائلك عن مثاقيل الذرّ والخردل. قال: فلمّا وردت سجستان سبق الخبر إلى الحسين بن عبد الله النيسابوري، وهو الوالي، فاستقبلني على فرسخين من المدينة، فدفعت إليه الكتاب، فقبّله ووضعه على عينيه، ثمّ قال لي: ما حاجتك؟ فقلت: خراج عليَّ في ديوانك. قال: فأمر بطرحه عنّي، وقال لي: لا تؤدّ خراجاً ما دام لي عمل، ثمّ سألني عن عيالي، فأخبرته بمبلغهم، فأمر لي ولهم بما يقوتنا وفضلا، فما أدّيت في عمله خراجاً ما دام حيّاً، ولا قطع عنّي صلته حتّى مات.