فوزي آل سيف

12

الأعظم بركة الإمام محمد الجواد

وهذه من بركات (إمامة) الجواد واستقرارها بين الناس، وقد أشار إليها الكثير ممن كتب أو تحدث عن معنى قول الإمام الرضا الذي ذكرناه قبل قليل، ونحن نعتقد أن الأمر لم يتم بصورة بسيطة؛ وذلك أن قضية تولي شخصٍ إمامةَ الناس ولا سيما بالمقاييس التي تذكرها المصادر الشيعية الإمامية، لا تتناسب ولا سيما في الذهنية العربية[17] مع كون متولي هذا المقام صغير السن! فما الذي تم حتى ثبتت هذه القضية بالحد الذي ما عادت تثير سؤالا فيما بعد؟ نعتقد أنه تم العمل في زمان الإمامين الرضا والجواد عليهما السلام على تثبيت القضية في مرحلتيها النظرية والعملية: أما المرحلة النظرية: فقد بدأت في زمان الإمام الرضا عليه السلام، بالبرهنة على أن الإمامة الإلهية -سواء كانت في صورة النبوة أو الإمامة- لا ترتبط بمقاييس الناس واستقرابهم أو استبعادهم[18]، وإنما هي خيرة الله فـ {وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ}[19]، ومن ذلك أنه قد يعطي النبوة لطفل صغير بينما لا ينالها الشيخ الكبير الطاعن في السن عبادة! فقد آتى الله عيسى بن مريم النبوة والرسالة، ويحيى الحكم وهما صبيان[20]. بل أوتي سليمان النبوة وهو لا يزال صغير السن[21].

--> 17 يقيم المجتمع العربي - لا سيما قبل الإسلام الذي جاء بميزات تفاضل جديدة - أهمية كبيرة لعامل السن والعمر، وكأنه يربط بينه وبين العلم والحكمة، ولذلك رأينا مواضع متعددة في تاريخ العرب والمسلمين كيف أنهم عارضوا إمارة شخص أو قيادته ليس إلا لأنه صغير السن، ويظهر ذلك صريحا في معارضتهم تأمير النبي صلى الله عليه وآله أسامة بن زيد قائدا عليهم في الجيش، وأوضح منه إبعادهم أمير المؤمنين عليًّا عليه السلام عن القيادة بعد النبي بمبررات كان منها صغر سنه، وكبر سن أولئك! 18 الزخرف: 31- 32 {وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ ٣١ أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ}.. 19 القصص:68 20 مريم: 29- 30: {فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩ قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠} مريم: 12: {يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢} 21 أبو الفدا؛ عماد الدين إسماعيل(ت 732 ه‍): المختصر في أخبار البشر١/ ٣٥: «ولما صار لداود سبعون سنة توفي.. وأوصى داود قبل موته بالملك إلى سليمان ولده، وأوصاه بعمارة بيت المقدس، فلما مات داود ملك سليمان، وعمره اثنتا عشرة سنة وآتاه الله من الحكمة والملك ما لم يؤته لأحد سواه على ما أخبر الله عز وجل به في حكم كتابه العزيز». أقول: قد أشارت إلى ذلك رواية الكافي١/٤٣١ أيضا فقد سأله الراوي «قلت له: إنّهم يقولون في حداثة سنّك! فقال: إنّ الله تعالى أوحى إلى داود أن يستخلف سليمان وهو صبيّ يرعى الغنم، فأنكر ذلك عبّاد بني إسرائيل وعلماؤهم. فأوحى الله إلى داود عليه السلام أن خذ عصا المتكلّمين وعصا سليمان واجعلهما في بيت واختم عليها بخواتيم القوم فإذا كان من الغد، فمن كانت عصاه قد أورقت وأثمرت فهو الخليفة، فأخبرهم داود، فقالوا: قد رضينا وسلّمنا».