فوزي آل سيف
62
عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
هل اغتال المأمون العباسي الإمام الرضا عليه السلام بالسم؟ يستبطن هذا العنوان قضيتين؛ كلتاهما محل نقاش وجدل: أن المأمون اغتال الإمام الرضا، وأن ذلك تم بواسطة السم! وقبل أن نأتي على ذكر البحث التاريخي وإيراد القرائن الدالة على اغتياله إياه بالسم، نقدم بمقدمات: الأولى: أن الكثير من الحكام يصلون إلى مرحلة يتصورون فيها أن أمن البلاد والحفاظ على الرعية، بل حماية الإسلام وإبقاء شعائره يرتبط بوجودهم، بمعنى أن وجودهم يعني بقاء البلاد وأمان العباد واستمرار الدين.. وأنه لو حصل أن انزاحوا بأي نحو من الأنحاء فإن الكوارث سوف تقع، ولذلك لا مانع لديهم لأجل تلك الأمور أن يجيّشوا الجيوش ويخوضوا المعارك حتى لا يزاحوا عن الملك والسلطان ويحدث ما ذكرنا من الأخطار! وكأنّ الله اختارهم من عالم الغيب ليحفظ بهم كل هذه الأمور وألبسهم هذا القميص الرئاسي فلا مجال لأن يخلعوه ولا يسمحوا لغيرهم أن ينزعه منهم! نعم ربما صدق بعضهم - وهذا نادر وفي أوقات قليلة - مع نفسه، فرأى أن الملك عقيم ولا يعرف أرحامًا ولا أنسابًا بل ولا دينًا وإنما هي الرئاسة وإصدار الأوامر والتلذذ بما تتيحه الرئاسة والخلافة من المشتهيات[155].. وسواء كان الأول أو الثاني فإن الحاكم هنا لا يجد داعيا للتوقف عن إزالة أي شخص - مؤيدا أو معارضا وفاضلا أو غير ذلك - من طريقه بالسجن أو التغريب أو القتل بأي طريقة تيسرت له. إن احتمال تهديد الشخص للحاكم بأي نسبة كان! يجعل للحاكم الحق في رأيه بأن ينهي وجوده الاجتماعي بل حتى الجسدي ويعطيه صلاحية قتله! الثانية: بناء على ما تقدم فقد وجدنا أمر الاغتيال من قبل الحاكمين لمنافسيهم، بل لمؤيديهم أحيانا ولأقاربهم، وأرحامهم، عاديا وكثيرا في تاريخ الأمة المسلمة أيام الأمويين والعباسيين، وكان أسهل الطرق في ذلك هو استعمال السم. فقد ذكرنا في كتابنا سيد الجنة، عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام ، كيف أن معاوية بن أبي سفيان، اغتال بواسطة السم مالكا الأشتر النخعي، ثم الحسن بن علي بن أبي طالب، وسعدًا بن أبي وقاص الزهري، وعبد الرحمن بن أبي بكر، بل أقرب مناصريه وأشد مؤيديه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكل ذلك على طريقة: إن لله جنودًا من عسل. واغتيل معاوية الثاني بن يزيد، بواسطة السم الذي يحتمل باحثون أن مروان بن الحكم وأنصاره قد سمموه به، لكي يصفو لهم الأمر بعد أن رأوا أنه قد يسلك طريقًا لا ينتهي إلى تحقيق سلطتهم! ولأن مروان بن الحكم كان قد احتاط لنفسه من جهة السم، فنجى منه إلا أنه لم ينج من الاغتيال حيث قتلته زوجة يزيد بن معاوية (التي أصبحت زوجته) بكتم أنفاسه وهو نائم بمخدة انهت بها حياته.
--> 155 يشهد لذلك قول هارون الرشيد لابنه المأمون: إن الملك عقيم ولو نازعتني لأخذت الذي فيه عيناك! ويشهد للفكرة الأخرى قول المنصور وقد أكل عجة السكر فاستلذها واستطابها وقال: أراد محمد وإبراهيم (ابنا عبد الله بن الحسن) أن يحرماني منها!