فوزي آل سيف
57
عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
ويشير إلى أن فصول السنة الأربعة، تختلف في قابلية البدن للأطعمة فيها فليس كل الأطعمة صالحة لكل الفصول! كما أن حاجته إلى النوم والاستراحة تختلف بحسب هذه الفصول وبحسب عمره وطبيعة عمله، فليلاحظ ذلك. ويشير إلى أن من الوقاية ألّا يخلط الإنسان الأطعمة غير المتجانسة فإنها تعقب آثارا سيئة على صحته، ويورد على ذلك أمثلة. ويشير إلى أن من الخطورة أن يعتاد المرء حبس البول فـ «من أراد ألّا يشتكي من مثانته فلا يحبس البول ولو على ظهر دابة»[148]. ولسلامة الجهاز البولي والتناسلي يشير عليه السلام إلى عدم حبس المني وعدم المبالغة في وقت أو كيفية الممارسة الجنسية، فيقول «ومن أراد أن لا يجد الحصاة وعسر البول فلا يحبس المني عند نزول الشهوة ولا يطيل المكث على النساء» ولكي تكون حياة الانسان الزوجية قائمة على أساس أخلاقي وصحي فينبغي أن يلتزم بما يناسب ذلك من التوجيهات مثلما قاله عليه السلام «ولا تجامع امرأة حتى تداعبها وتكثر ملاعبتها وتغمز ثدييها، والشهوة تظهر من وجهها وعينها واشتهت منك مثل ذلك الذي تشتهي منها. ولا تجامع النساء إلا طاهرة فإذا فعلت ذلك فلا تقم قائمًا ولا تجلس جالسًا ولكن تميل على يمينك، ثم انهض للبول من ساعتك فإنك تأمن الحصاة بإذن الله تعالى»[149]. ولمن أراد الاطلاع المباشر عليها فليرجع إلى أصلها وهو موجود مطبوعا في عدد من الطبعات المستقلة، كما أن العلامة المجلسي نقله في البحار ج 59. «ولما وصلت إلى المأمون قرأها وسر بها كثيرا وأمر بكتابتها بالذهب وأن تحفظ في خزانة الحكمة وسماها الرسالة الذهبية أو الرسالة المذهبة. وكتب بخط يده جوابا للإمام عليٍّ الرضا يقرِّض فيه تلك الرسالة ويشكره[150] عليها»[151].
--> 151 نفس المصدر ١٢١ 148 البار؛ د. محمد علي الإمام علي الرضا ورسالته في الطب النبوي ١٦٥ 149 نفس المصدر ١٨٠ 150 ما هي حقيقة موقف المأمون من الإمام الرضا عليه السلام؟ هل هي من البداية كانت التآمر والسعي لاغتياله واعتباره عدوا ومنافسًا خطيرا لا بد من إنهاء وجوده؟ أو أن المأمون كان رأيه جيدا في الإمام الرضا وكان معجبا بعلمه ومحترما لشخصيته وعلى هذا الأساس تعامل معه فكان يستعين به ويثني عليه وكان جادا في توليته العهد لأنه رآه الأصلح؟ ثم إما أنه رأى أن سلطته لا تستقيم كما يريد إلا بالتخلص منه ففعل ذلك.. أو حتى يمكن لأصحاب هذه النظرية القول بأن المأمون لم يقم باغتيال الإمام وقتله؟ فكرتان ورأيان؛ يشير إلى الأول ما روي عن المعصومين A وعن الإمام الرضا من أن قتله سيكون بواسطة المأمون وكان الأمر معلوما لهم وله، كما سنشير إليه في فصل لاحق. ويؤكده أن الإمام عليه السلام أخبر المأمون أنه ليس جادا في توليته العهد وإنما لكي يقول للناس إن أهل البيت ليسوا زاهدين حقيقة في الدنيا وإنما فعلوا ذلك لأنهم لم ينالوها فلما نالوها لم يزهدوا فيها. وأيضا ما أشار إليه عليه السلام أكثر من مرة لأصحابه بأن لا يُخدَعوا ويُسروا بمظاهر الاكرام التي يبديها المأمون للإمام فإنه غير صادق في وعوده. ومن ذلك ما أشار إليه أبو الصلت الهروي في شرحه للأسباب التي دعت المأمون لقتل الرضا عليه السلام، ومنها يتبين أن المأمون كان من أول الأمر ليس صادقا في مواقفه مع الرضا، فإنما جمع إليه أرباب الملل والمذاهب لكي يحرجه في سؤال أو إشكال لا لكي يظهر فضله عليهم، ومما يصدق ذلك قول الإمام للنوفلي: أتدري متى يندم المأمون؟ حين يراني أكلم أهل التوراة بتوراتهم وأهل الانجيل بانجيلهم. وقد يشير إلى الثاني أن المأمون قد عرف بحبه للمسائل العلمية وكونه من الحكام (المثقفين) بالقياس إلى سائر الخلفاء الذين لم يكن لديهم شغف بالموضوع العلمي، ومن الطبيعي بالنسبة لهذا النوع من الناس أن يوقروا العالم ويحترموه خصوصا إذا كان من مستوى الإمام الرضا الذي كان (عالم آل محمد) الذي أعجز علماء زمانه. كما أنه ينقل عن المأمون في دفاعه عن توليته الامام الرضا رسالة ساخنة للعباسيين الذين رفضوا توليته إياه ناسبا إياهم إلى خبث أصولهم، وفساد تربيتهم، وقلة تدينهم فضلا عن جهلهم بأبسط الأمور في مقابل الإمام الرضا الذي كان في القمة في كل تلك الأمور. ولأجل هذا فإن تكرر إعجاب المأمون وإظهاره ذلك للملأ هو الحالة الطبيعة والحقيقية للمأمون.. ويظهر أن الدكتور البار يرى هذا الثاني كما يلاحظ من ثنايا كتابه المسمى: بالإمام علي الرضا ورسالته في الطب النبوي. ونحن نرى كلا الفكرتين كانتا موجودتين منذ القديم، فإنهم ينقلون أنه لما ناظر الإمام الرضا عليه السلام عمران الصابي، وأجابه على كل أسئلته وحل كل اشكالاته فآمن عمران وتيقن الإسلام وتشهد الشهادتين، وتحدث الناس بفضل الامام الرضا عليه السلام، خاف عم الإمام علي الرضا، محمد بن الإمام جعفر عليه من المأمون كما ذكر ذلك القرشي في كتابه حياة الإمام الرضا 1/ 115 وحذر الحسن النوفلي صاحب الإمام الرضا من حسد المأمون إياه واقدامه على إيقاع الشر به قائلا: «اني أخاف عليه أن يحسده هذا الرجل فيسمه أو يفعل به بلية، فأشر عليه بالإمساك عن هذه الأشياء..» غير أن النوفلي كان يظن خيرا بالمأمون، ولا يخاف منه على الامام، فقال لمحمد عم الإمام: «ما أراد الرجل - يعني المأمون - الا امتحانه ليعلم هل عنده شيء من علوم آبائه؟» وهذا يشير إلى ما قلناه من أن تشخيص حقيقة موقف المأمون وعلاقته بالإمام كان حتى عند الموالين ملتبسا بين رأيين وفكرتين.