فوزي آل سيف
56
عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
قال: وأبو الحسن عليه السلام ساكت لا يتكلم في شيء من ذلك. فقال له المأمون: ما تقول يا أبا الحسن في هذا الامر الذي نحن فيه هذا اليوم، والذي لابد منه من معرفة هذه الأشياء والأغذية، النافع منها والضار. وتدبير الجسد؟ فقال أبو الحسن عليه السلام : عندي من ذلك ما جربته وعرفت صحته بالاختبار ومرور الأيام، مع ما وقفني عليه من مضى من السلف، مما لا يسع الانسان جهله، ولا يعذر في تركه، فأنا أجمع ذلك مع ما يقاربه مما يحتاج إلى معرفته. قال: وعاجل المأمون الخروج إلى بلخ، وتخلف عنه أبو الحسن عليه السلام ، وكتب المأمون إليه كتابا يتنجزه ما كان ذكره مما يحتاج إلى معرفته من جهته على ما سمعه منه وجربه من الأطعمة والأشربة وأخذ الأدوية والفصد والحجامة والسواك والحمام والنورة والتدبير في ذلك. فكتب الرضا عليه السلام إليه كتابًا نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم. اعتصمت بالله. أما بعد، فإنه وصل إلي كتاب أمير المؤمنين[146] فيما أمرني من توقيفه على ما يحتاج إليه مما جربته وما سمعته في الأطعمة والأشربة وأخذ الأدوية والفصد والحجامة والحمام والنورة والباه وغير ذلك مما يدبر استقامة أمر الجسد، وقد فسر ت له ما يحتاج إليه، وشرحت له ما يعمل عليه، من تدبير مطعمه ومشربه وأخذه الدواء وفصده وحجامته وباهه وغير ذلك مما يحتاج إليه من سياسة جسمه، وبالله التوفيق. اعلم أن الله عز وجل لم يبتل الجسد بداء حتى جعل له دواء..».[147] ثم استمر الإمام عليه السلام في توجيهه ذاك مشبها البدن بالملك ومشبها العروق والأعضاء والقلب بما يناسبها في المملكة، وفي فقرة تالية يجعل البدن كالأرض الطيبة متى تعوهدت بالعمارة والسقي نمت لكن بحيث لا يزاد في الماء فتغرق ولا ينقص منه فتعطش. وحيث يكون الطعام هو أول ما ينبغي الاعتناء به لسلامة البدن، يوصي بأكل البارد في الصيف والحار في الشتاء والمعتدل في الفصلين (والبارد هنا والحار بمعنى ما كانت طبيعته كذلك لا بمعنى المسخن بالنار أو المبرد بالمبردات). وينبغي أن يبدأ الطعام بأخف الأغذية التي يغتذي بها بدنه بقدر عادته.
--> 146 مخاطبة الإمام إياه بأمير المؤمنين، بل مخاطبة من سبقه من الأئمة لحكام زمانهم بذلك، لا يدل بالضرورة على إيمانهم بهذا وتسليمهم بانطباق هذا اللقب عليه، تماما ما نتعامل مع ألقاب أولئك الحاكمين مع عدم اعترافنا بها، فقولنا عن هارون أنه «الرشيد» وعن عبد الله ابنه أنه «المأمون» وهكذا إنما هو للتعريف مع أننا لا نعتقد برشد ذاك ولا أمانة هذا. وفي ذلك الوقت فإن «أمير المؤمنين» كلقب رسمي كان يجب على الجميع أن يتعامل به وإلا عد من لا يسميه بهذا معارضا ومحاربا وصاحب موقف علني مضاد، ولا ريب أن الحكمة لا تقتضي مثل هذا، وإلا فمن المعلوم أن لقب أمير المؤمنين بحسب ما ورد عن المعصومين لا ينطبق حقيقة إلا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، حتى لقد نهوا عن تلقيب سائر الأئمة بذلك مع أنهم في الحقيقة أمراء المؤمنين وسادتهم. ويشير لذلك ما عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثمالي، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام، يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله لم سُمِّي علي عليه السلام أمير المؤمنين، وهو اسم ما سُمي به أحد قبله، ولا يحل لأحد بعده؟ قال: لأنه ميرة العلم، يُمتار منه، ولا يَمتار من أحد غيره. 147 المجلسي: بحار الأنوار٥/٣١٠