السيد محمد باقر الصدر
67
أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )
وكانت أكثر المعاجز هي معاجز على مستوى الحسّ ، أكثر معاجز الأنبياء كانت معاجز على مستوى الحسّ ؛ لأنّ الإنسان يتأثّر بهذا المستوى أكثر ممّا يتأثّر بأيّ مستوىً آخر . إذاً ، فالإنسان - بحسب طبيعة جهازه المعرفي وتكوينه النظري - خُلق حسيّاً أكثر منه عقليّاً ، خُلق متفاعلًا مع هذا المستوى المنخفض من المعرفة أكثر ممّا هو متفاعل مع المستوى النظري المجرّد من المعرفة ، وهذا يعني أنّ الحسّ أقدرُ على تربية الإنسان من النظر العقلي المجرّد . لو ترقّى الإنسان إلى نظره العقلي المجرّد وإلى حسّه المجرّد - يعني إلى ما يتّفق له من حسّ ، وما يتّفق له من نظر - فسوف يسيطر الحسُّ عليه أكثر ممّا يسيطر عليه النظر ، سوف يهيمن عليه حسّه ويحتلُّ من جوانب وجوده وشخصيّته وأبعاد مشاعره وعواطفه وانفعالاته أكثر ممّا يحتلّ العقلُ ، المفهومُ النظريُّ المجرّد . الحسّ هو المربّي الدرجة الأولى لإنسانٍ هذا مزاجُه وهذا وضعُه . والعقل هو المربّي الدرجة الثانية لإنسانٍ هذا وضعه وهذا مزاجه . بناءً على هذا ، كان لا بدّ للإنسانيّة من حسٍّ مُربٍّ زائداً على العقل والمدركات العقليّة الغائمة الغامضة ، التي تدخل إلى ذهن الإنسان في « 1 » قوالب غير محدّدة وغير واضحة ، ومكتنفة بدرجة كبيرة من الغموض والضباب . . إضافةً إلى هذه القوالب ، كان لا بدّ لكي يربّى الإنسان على أهداف السماء ، على مجموعةٍ من القيم والمُثُل والاعتبارات ، كان لا بدّ من أن يكون له مربٍّ حسّي ، كان لا بدّ من أن يربّى على أساس الحسّ ، وهذا هو السبب في أنّ أيّ إنسانٍ وأيَّ حضارةٍ وأيّ مَدَنيّةٍ انقطعت عن السماء لم يربِّها العقل ، بل ربّاها
--> ( 1 ) في ( غ ) و ( ف ) : « ذا » بدل « في » ، وهو ما يبدو من المحاضرة الصوتيّة ، ولعلّ المراد ما أثبتناه .