السيد محمد باقر الصدر

68

أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )

الحسّ . نحن لا نعرف حضارةً انقطعت عن السماء ثمّ ربّاها العقل ، بل كلّ الحضارات التي عرفها تاريخ النوع البشري إلى يومنا هذا ، إلى حضارة الإنسان الأوروبي اليوم التي تحكم العالم ظلماً وعدواناً ، كلُّ هذه الحضارات التي انقطعت عن السماء ربّاها الحسُّ ولم يربّها العقل ؛ لأنّ الحسّ هو المربّي الأوّل دائماً . فكان لا بدّ لكي يمكن تربية الإنسان على أساس الحسّ - لكن على أساس حسٍّ يبعث في هذا الإنسان إنسانيّته الكاملة ، الممثّلة لكلّ جوانب وجوده الحقيقيّة - ، كان لا بدّ من خلق حسٍّ في الإنسان ، هذا الحسّ يدرك تلك القيم والمثل والمفاهيم ، يدرك التضحية في سبيل تلك القيم والمثل إدراكاً حسّيّاً ، لا إدراكاً عقلانيّاً بقانون الحسن والقبح العقليّين فقط ، بل يدركها كما ندرك محسوساتنا ، مسموعاتنا ومبصراتنا . وهذا معنى ما قلناه من أنّ ضرورة الإنسانيّة ، ضرورة الإنسان في خطّ التربية ، تفرض أن يودَعَ في طبيعة تكوينِه وخلقِه أرضيّة ، هذه الأرضيّة صالحةٌ لأنْ تكوِّنَ مِثْلَ هذا الحسّ ، لأنْ تكوّن حسّاً بحسن العدل ، بقبح الظلم ، بآلام المظلومين ، أنْ تكوّن حسّاً بكلّ ما يمكن للعقل وما لا يمكن للعقل إدراكُه « 1 » من قيمٍ ومثلٍ واعتبارات . وهذه الأرضيّة أو هذا الاستعداد الكامن « 2 » الذي كان لا بدّ من خلقه في طبيعة الإنسان ، هذا الاستعداد هو استعداد الوحي ، هو استعداد الارتباط المباشر بالله سبحانه وتعالى ؛ لكي تنكشف كلُّ السحب ، كلّ الستائر ، عن كلّ

--> ( 1 ) في المحاضرة الصوتيّة : « من إدراكه » . ( 2 ) في ( غ ) و ( ف ) : « الكامل » ، والظاهر من المحاضرة الصوتيّة ما أثبتناه ، وقد تقدّمت الإشارة إليه سابقاً .