السيد محمد باقر الصدر
530
أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )
للذهاب إليهم ، وقد تهيّأت الظروف الموضوعيّة في الكوفة لكي أذهب ، ولكي أقيم حقّاً وأزيل باطلًا » « 1 » . فكان يعكس ويفسّر سفرته على أساس أنّها استجابة وأنّها ردّ فعل ، وأنّها تعبير عن إجابةِ طلب ، [ عن ] أنّ الامّة تحرّكت وأرادت ، وأنّه قد تمّت الحجّة عليه ، ولا بدّ له أن يتحرّك . الإمام الحسين ( عليه السلام ) لم يكن في واقعه يقتصر في مرحلته الجهاديّة هذه على أن تطلب منه الامّة فيتحرّك ، وإلّا لما راسل ابتداءً زعماء قواعده الشعبيّة بالبصرة ويطلب منهم التحرّك ، ولكنّه في نفس الوقت كان يعكس هذا الجانب أكثر ممّا يعكس ذلك الجانب ؛ لأنّ هذا الجانب أقرب انسجاماً مع أخلاقيّة الهزيمة . ماذا تقول أخلاقيّة الهزيمة أمام شخص يقول لها : « إنّي قد تلقّيت دعوة ، وإنّ ظروف هذه الدعوة ملائمة للجواب والتحرّك نحو الداعي » ؟ ! وبطبيعة الحال هناك فرقٌ كبيرٌ بين إنسان يتحرّك تحرّكاً ابتدائيّاً و [ بين ] إنسانٍ آخر يتحرّك إجابةً لجماهير آمنت به وبقيادته وزعامته : فهناك تقولُ أخلاقيّة الهزيمة : إنّ هذا متسرّع ، وإنّ هذا لا يفكّر في العواقب ، وإنّه ألقى بنفسه في المخاطر . أمّا حينما يكون العمل إجابةً لدعوةٍ من جماهيرَ قد هيّأت كلَّ الأجواء اللازمة لهذه الدعوة ، فهذه الأخلاقيّة المهزومة لا تقول عن هذا العمل وهذا التحرّك : إنّه عمل طائش ، إنّه عمل صبياني ، إنّه عمل غير مدروس . هذه الشعارات التي طرحها الإمام الحسين ( عليه الصلاة والسلام ) كانت كلّها واقعيّة ، وفي
--> ( 1 ) من قبيل قوله ( عليه السلام ) للطرمّاح بن عدي الطائي : « إنّه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قولٌ لسنا نقدر معه على الانصراف » تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 406 : 5 ؛ تجارب الأمم 66 : 2 ؛ الكامل في التاريخ 50 : 4 .