السيد محمد باقر الصدر

508

أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )

المشهد السابع : محنة مسلم وهانئ : والدليل الذي هو أكبر من هذا [ هو ] محنة مسلم وهانئ . محنة مسلم وهانئ التي يقلّ نظيرها في التاريخ ، هذه المحنة تصوّر هذا المرض - وهو في قمّته ، وهو في شدّته - بأروع تصوير ، أو بأفظع تصوير . قد يذهب وهمُ الإنسان إلى أنّ مسلم بن عقيل كيف استطاع - أو كيف اتّفق له - أن يفرّط بكلّ هذه القوى الضخمة التي كانت بين يديه ؟ ! كيف فرّط بهذه القوى الشعبيّة التي بين يديه ؟ بين عشيّة وضحاها بقي وحيداً فريداً يتسكّع في الطرقات ؟ ! كيف فرّط بمثل هذه القوى ؟ كيف لم يستثمر هذه القوى في معركته مع عبيد الله بن زياد ؟ ! في الواقع : إنّ هذه القوى لم تكن قوىً إلّا على الورق ، لم تكن هذه القوى قوىً إلّا في سجلّ تسجيل الأسماء حينما سجّل الأسماء فبلغت ثمانية عشر ألفاً « 1 » ، أو بلغت عشرين ألفاً « 2 » ، أو بلغت ثلاثين ألفاً « 3 » ، كانت قوىً على الورق ؛ وذلك لأنّ هؤلاء الثمانية عشر ألفاً أو العشرين ألفاً كانوا جزءاً من هذه الامّة الميْتة ، من هذه الامّة المنهارة . هذا الانهيار العجيب المفاجئ في لحظة ، هذا الانهيار العجيب المفاجئ في ساعة هو يعكس تلك الهزيمة المسبقة . . هذه الهزيمة وراءها هزيمة : هزيمة النفس ، هزيمة الوجدان ، هزيمة الضمير ، تلك الهزيمة في النفس والوجدان

--> ( 1 ) الأخبار الطوال : 241 ، 243 ، 253 ؛ أنساب الأشراف 80 : 2 ؛ تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 5 : 375 . ( 2 ) الوارد في كتاب مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) يبشّره فيه بمبايعة أهل الكوفة له بحسب نقل ابن الأعثم : « نيّف وعشرون ألفاً » ( الفتوح 45 : 5 ) . ( 3 ) المختصر في أخبار البشر 235 : 1 ؛ وانظر : ديوان المبتدأ والخبر ( ابن خلدون ) 29 : 3 ، الهامش ، نقلًا عنه .