تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري
40
مباحث الأصول ( القسم الأول )
--> - أمّا الفرض الأوّل ، وهو فرض الاندفاع وراء اللذائذ والفرار من الآلام قهرا ، فهذا يساوق الجبر وإنكار الاختيار ، وهذا خلف موضوع علم الأخلاق بعد فرض كون الحسن والقبح أمرين واقعيّين مدركين بالعقل ، لا أمرين اعتباريّين مجعولين من قبل العقلاء أو الشريعة ، وقد كان هذا هو فرض بحثنا في المقام ، فنحن وإن كنّا لا نمانع عن كون بعض القضايا الأخلاقيّة اجتماعيّة أو شرعيّة ، لكن لو لم نؤمن بقضايا أخلاقيّة واقعيّة وبالحسن والقبح الذاتيّين والعقليّين ، لم يبق موضوع لبحثنا هذا . وأمّا الفرض الثاني ، وهو دخل اللذّة والألم في القدرة ، فهذا يعني : أن لا يقدر الإنسان إلّا على الفعل الذي يلتذّ منه وترك ذلك الفعل يكون مبغوضا له ، فبغضه إنّما أولد له القدرة على الفرار منه ، ومن المعلوم أنّ فرض تعلّق القدرة بأحد النقيضين دون الآخر هو عين الجبر تماما ، فإنّ القدرة لا بدّ أن تتعلّق بطرفي النقيض سواء بسواء . وأمّا الفرض الثالث ، وهو عدم تحقّق الإرادة نحو الشيء إلّا بفرض الالتذاذ به أو التألّم من فقده برغم انحفاظ اختياره وقدرته لولا اللذّة والألم ، وبرغم فرض حبّه أو بغضه للمتعلّق في المرتبة السابقة على اللذّة والألم ، فهذا أيضا أمر غير معقول ، سواء فسّرنا الإرادة بمعنى الشوق الأكيد كما هو المعروف ، أو فسّرناها بما يشابه أن يقال بأمر وسط بين الشوق الأكيد والفعل ، وهو حملة النفس ، بدعوى : أنّها هي مركز القدرة والسلطنة : أمّا على الأوّل ، فلوضوح : أنّ الشوق الأكيد هو الحبّ الأكيد الذي هو في الرتبة السابقة على اللذّة . وأمّا على الثاني ، فلوضوح : أنّ توقّف حملة النفس على اللذّة والألم مع انحفاظ كامل القدرة والاختيار في المرتبة السابقة عليهما ، وتماميّة الحبّ والشوق أمر غير معقول ، إلّا بمعنى : أنّ الغاية المحبوبة كانت عبارة عن نفس اللذّة والألم ، وهذا رجوع إلى الشقّ الأوّل الذي أبطلناه . -