تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري

123

مباحث الأصول ( القسم الأول )

تصوّراً الإرادة ، فقد يقال : إنّ شدّة الإرادة أيضاً إرادة ، فقد دخلت فيما هو المتصوَّر بخلاف ضعفها . وأمّا فيما نحن فيه فالإرادة إنّما فهمت بالدلالة التصديقيّة والكشف ، وواضح جدّاً أنّ شدّة الإرادة لم تكشف كما أنّ ضعفها لم يكشف « 1 » .

--> ( 1 ) الإطلاق عبارة عن أصالة عدم زيادة المراد الجدّيّ على المراد الاستعماليّ ، فلو قال مثلًا : « أكرم العالم » وعرفنا بأصالة الحقيقة : أنّ المراد الجدّيّ غير مشتمل على قيد العدالة ، قلنا : إنّ المراد الجدّيّ أيضاً غير مشتمل عليه ؛ لأنّه قيد زائد على المراد الاستعماليّ منفيّ بأصالة الإطلاق ، وفي صيغة الأمر يفترض أنّ المدلول التصوّريّ الموضوع له اللفظ عبارة عن النسبة الإرساليّة أو الإرادة ، ويفترض أنّ المراد الاستعماليّ أيضاً بحكم أصالة الحقيقة ليس إلّاالكشف عن ذلك ، ويفترض في مبنى الشيخ العراقيّ رحمه الله : أنّ الاستحباب إن كان هو المقصود جدّاً فهو مشتمل على الزيادة ، وهو الحدّ العدميّ المباين للمحدود ، بخلاف الوجوب الذي حدّه وجوديّ ، فهو من سنخ المحدود ، فأصالة الإطلاق تعيّن الوجوب . وأمّا الجملة الخبريّة فالمفروض أنّها موضوعة للنسبة الصدوريّة ، والمفروض : أنّ المراد الجدّيّ ليس عبارة عن الكشف عنها ، بل عبارة عن الكشف عن الإرادة أو النسبة الإرساليّة ، فإمّا أنّ المراد الاستعماليّ اختلف عن المدلول التصوّريّ الموضوع له اللفظ ، فأصالة الحقيقة منخرمة في المقام ، فيأتي عندئذٍ احتمال كون المدلول الاستعماليّ عبارة عن النسبة الوجوبيّة ، أو الإرادة الوجوبيّة ، أو أنّ المراد الاستعماليّ عبارة عن إرادة نفس المدلول التصوّريّ الوضعيّ ، ولكن المراد الجدّيّ اختلف عن المراد الاستعماليّ ، ولم يكن عبارة عن الكشف عن جدّيّة نفس المراد الاستعماليّ ، فالمراد الجدّيّ هو الإرادة والنسبة الصدوريّة ، فهنا لا معنىً للتمسّك بأصالة الإطلاق لإثبات الوجوب بدعوى : أنّ الاستحباب أكبر من المراد الاستعماليّ ؛ لاشتماله على القيد العدميّ ؛ وذلك لما عرفت من تباين المراد الجدّيّ عن الاستعماليّ أساساً . أقول : يمكن أن يدّعى استظهار الوجوب في المقام ببيان آخر ، وهو : أنّ المولى قد أبرز طلبه بلسان كان في الأصل لسان الإخبار عن التحقّق لا الطلب والشوق ، وهذا يناسب عرفاً شدّة الشوق إلى التحقّق ؛ فإنّ من يشتدّ شوقه إلى شيء فكأ نّه يفترض تحقّقه . وهذا بيان يأتي على كلّ وجوه دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب ، بل قد يقال على أساسه : إنّ دلالة الجملة الخبريّة آكد من دلالة صيغة الأمر عليه . وقد استفاد الآخوند رحمه الله في الكفاية ( 1 ) من هذه النكتة ببيان : أنّ الجملة الخبريّة مستعملة في نفس معنى الخبر والحكاية ، فتدلّ على الوجوب بشكل آكد . والسيّد الخوئيّ رحمه الله بما أنّه يعتقد : أنّه لم تستعمل الجملة الخبريّة الدالّة على الطلب في نفس معنى الخبر والحكاية أنكر آكديّة دلالتها على الوجوب ، ولكن الواقع : أنّ نفس التلبّس باللباس المناسب للخبر يعطي عرفاً بالمناسبة هذه الآكديّة ، سواء كان المدلول المستعمل فيه الكلام هو الخبر أو لا . - ( 1 ) ج 1 ، ص 105 بحسب طبعة المشكينيّ