تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري

42

مباحث الأصول ( القسم الأول )

--> وكذلك سائر الأحكام التنجيزيّة والتعذيريّة ، أو بأن يكون حالة عامّة في الشريعة وإن لم يكن حكماً له ، كأن يقال بأنّ الشارع إذا أمر بشيء أمر بمقدّمته ، فإنّه وإن كان قد يقام برهان عقليّ على ذلك ، لكنّه مع ذلك حالة ترجع إلى الشارع ، أو بأن يكون عبارة عن بناء الشارع والتزاماته في مقام المحاورة والمخاطبة كما في الظهورات ، والموجّه الحقيقيّ في بحث ظهور صيغة « افعل » في الوجوب إنّما هو ظهور صيغة « افعل » في الوجوب في لسان الشارع لا في لسان العرف ، غاية الأمر أنّنا إنّما نتكلّم عن الظهور العرفيّ باعتبار مقدّمة مطويّة ، وهي جريان الشارع على طبق الطريقة العرفيّة ، ولهذا ترى أنّه في المورد الذي يحتمل فيه وجود مصطلح خاصّ للشرع يقع البحث عن ذلك في الأصول ، ولذا قال البعض في بحثه الاصوليّ في صيغة « افعل » : إنّها وإن كانت حقيقة في الوجوب لغةً ، لكنّها نقلت شرعاً إلى الاستحباب ، أو إلى جامع الوجوب والاستحباب . والخلاصة : أنّ البحث الاصوليّ يكون بحثاً عمّا يرجع للشارع ، ويكون شأناً من شؤونه ، فإنّ علم الأصول فرض علماً شرعيّاً مربوطاً بالشارع ، فالموجّهات العامّة الاصوليّة كلّها تعود إلى شأن من شؤون الشارع من حكم مجعول له ، أو حالة تشريعيّة عامّة فيه ، أو بناء عامّ من قبله تأسيساً كما في موارد النقل عمّا عليه العرف ، أو إمضاءً كما في موارد جريانه على طبق الفهم العرفيّ . وأمّا وثاقة الراوي فليست شأناً من شؤون الشارع ، ولا مأخوذة منه ، وكذلك كلّ ما كان من هذا القبيل ، كتشخيص كمّيّة الشهرة بحسب الخارج ، وتشخيص مقدار علم العلماء لمعرفة مقدار أثر الإجماع ، ولهذا لا يبحث في علم الأصول عن أحوال العلماء من ناحية مقدار علمهم وسعة باعهم ودقّتهم ، وإنّما يبحث ذلك في علم التأريخ كما يبحث عن الرواة في علم الرجال وإن كان كلّ ذلك من الموجّهات الصوريّة العامّة . وذكر - رضوان اللَّه عليه - في أوّل بحث الاستصحاب ما يقارب هذا البيان ، فقال : إنّ أبحاث علم الأصول لا تكون ضيّقة بحيث تؤخذ فيها مادّة من الموادّ الفقهيّة ، - فلا تصبح منطقاً لعلم الفقه ، ولا تكون وسيعة بنحو تكون منطقاً لعلوم أخرى أيضاً ، بل اخذت فيها الموادّ بدرجة سقطت عن قابليّة كونها منطقاً لسائر العلوم ، ولكنّها منطق لعلم الفقه ودخيلة في الاستنباط من دون شرط وقوعها كبرى في طريق الاستنباط ، والبحث عن وثاقة الراوي وإن كان أيضاً دخيلًا في الاستنباط ، ولكن هنا قيد آخر ثابت بالارتكاز المميّز بين علم الأصول ومثل علم الرجال ، وهو : أنّ علم الأصول يجب أن يكون مربوطاً بالحكم ، بمعنى أن يكون هو حكماً ظاهريّاً كحجّيّة خبر الثقة ، أو يكون من مقتضيات الحكم في إحدى المراحل الثلاث : الجعل ، والإبراز ، والتنجيز أو التعذير ، فالأوّل كمباحث إمكان الترتّب ، والملازمة بين وجوب المقدّمة ووجوب ذيها ، ونحو ذلك من الأمور التي يقتضيها الحكم بحسب عالم جعله ، والثاني كمباحث دلالة الأمر على الوجوب ، والنهي على الحرمة ، والمشتقّ على ما انقضى عنه المبدأ أو المتلبّس ، ونحو ذلك ، والثالث كمباحث منجّزيّة الاحتمال أو معذّريّته عقلًا . أقول بمناسبة ذكره رحمه الله للمشتقّ : وقد يفترض أنّ بحث المشتقّ أو نحوه كبحث الصحيح والأعمّ داخل في بحث الأصول بخلاف البحث عن معنى مثل كلمة « الصعيد » هل هو التراب أو مطلق ما على وجه الأرض مثلًا ، والفرق : أنّ القيد في بحثي المشتقّ والصحيح والأعمّ لم يخرجهما عن سريانهما في الاستنباط في كثير من أبواب الفقه ، ولكن القيد في مثل تفسير كلمة « الصعيد » أخرجه عن الدخل في الاستنباط في عامّة أبواب الفقه ، وخصّه بمسألة التيمّم