تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري

123

مباحث الأصول ( القسم الأول )

من الحروف حينما تستعمل وحدها . وقد أوردوا عليه : أنّ هذا يستبطن شبه التناقض ، فمن ناحية يفرض أنّ الحرف لا معنى له ، ومن ناحية أخرى يفرض أنّه دخيل في الدلالة ، وهذا تناقض . فنحن نقول : هل إنّ قولنا : « سرت من البصرة إلى الكوفة » لو حذفت منه الحروف يبقى المعنى المتحصّل من الكلام على حاله ، أو لا ؟ فإن قيل : نعم ، فهو خلاف الوجدان . وإن قيل : لا ، قلنا : إنّ الخصوصيّات الموجودة في هذا الكلام التي تفقد عند حذف الحروف هل هي مستفادة من الحروف ، أو من « السير » و « البصرة » و « الكوفة » مثلًا التي هي أسماء ؟ فإن قيل بالأوّل ، فهذا معناه أنّ الحروف ذات معنىً . وإن قيل بالثاني ، قلنا : إنّ « السير » و « البصرة » و « الكوفة » بذاتها لا تدلّ على هذه الخصوصيّات ؛ ولذا لا تدلّ عليها عند التجرّد من الحروف ، ففهم هذه الخصوصيّات يحتاج إلى قرينة . فإن كانت القرينة هي الحروف ، رجعنا مرّة أخرى إلى القول بكون الحروف ذات معنىً ، وإلّا فليست هناك قرينة أخرى ، إذن فهذا المسلك يستبطن المحال . أقول : إنّ هذا المسلك بناءً على الرأي المشهور في حقيقة الوضع من إرجاعه إلى الإنشاء بأحد الوجوه الماضية يمكن تفسيره بنحو لا يستبطن تناقضاً ، ولا استحالة ، وذلك بأن يدّعى : أنّ لكلمة « السير » مثلًا أوضاعاً عديدة بعدد حالاتها من حيث اكتنافها بالحروف وعدمه ، فمثلًا كلمة « السير » حينما لا تكون مكتنفة بحرف تكون موضوعةً لطبيعيّ السير ، وحينما تكون مكتنفة ب « من » و « إلى » تكون موضوعةً لحصّة خاصّة من السير ، وهي : السير من كذا إلى كذا . فنفس « من » و « إلى » لا تدلّان على معنىً ، وإنّما الخصوصيّة تستفاد من نفس السير ؛ لأنّها موضوعة بوضع آخر حينما تكون مكتنفة ب « من » و « إلى » ، فلا يكون