تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر لسيد كاظم الحائري
107
مباحث الأصول ( القسم الأول )
التواريخ ، ويعرف أنّ فلاناً هو واضع اللغة الفلانيّة ، بينما ليس الأمر هكذا « 1 » . وقد أجيب على ذلك أيضاً بأ نّنا لا نفترض أنّ إنساناً واحداً خرج من بيته يوماً ما وكان بيده قاموس معيّن ، وقال : أيّها الناس ، إنّي وضعت لغة جديدة ، ولو صنع إنسان هكذا لقيل عنه : إنّه مجنون ، بل نقول : إنّ وضع اللغة أمر تدريجيّ ، فقد وضع شخص ما شيئاً ، وجاء شخص آخر وأضاف شيئاً آخر ، وهكذا إلى أن تكوّنت لغة واسعة خلال مدّة مديدة « 2 » . والصحيح : أنّ الاستبعاد في كون البشر هو الواضع لا ينحصر في هذين الاستبعادين ، بل هناك استبعادات أخرى لابدّ من التأمّل فيها : الأوّل : أنّه قد يقال : إنّ الإنسان لو غضّ النظر عن إلهام اللَّه تعالى إيّاه ، يأتي سؤال : أنّه كيف التفت إلى إمكانيّة خلق الدلالة بأصوات معيّنة ؟ وكيف تَوجَّه إلى نكتة دلالة هذه الأصوات على المعاني ؟ فإنّ هذه النكتة وإن كانت تبدو الآن واضحة ؛ لأنّ كلّ إنسان ينشأ في ظلّ لغة ، فيمكن أن يلتفت إلى مسألة الوضع ، ولكن الواضع الأوّل كيف التفت إلى الوضع والدلالة بهذا الترتيب ؟ وهذا من قبيل ما يقال من أنّه : كيف التفت أوّل فلّاح إلى أنّه لو زرع حنطة وسقاها بكذا مقدار أثمرت بهذا الشكل ؟ فقد يقال : إنّ اللَّه تعالى هو الذي ألهم باللغة والوضع ، كما يقال : إنّه ألهم الإنسان بالزرع . ويمكن حلّ هذا الاستبعاد بما مضى من أنّ دلالة الأصوات من قبيل دلالة صوت الزئير على الأسد ، والنهيق على الحمار ، والصهيل على الفرس ، وخرير
--> ( 1 ) راجع أجود التقريرات ، ج 1 ، ص 11 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ رحمه الله ( 2 ) راجع ج 43 من موسوعة الإمام الخوئيّ ، ص 39