ابن أبي أصيبعة

65

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

التاريخ ، دون أن يزاحمه مزاحم أو تؤثر فيه أو في مكانته مخطوطة من المخطوطات الهزيلة التي دأب على صياغتها كهنة الأديرة قاطبة ، وهو العمل الجبار الذي خطته يد عربى قدير . . . ولقد اعترف الباريسيون بقيمة هذا الكنز العظيم وبفضل صاحبه عليهم وعلى الطب إجماليا . فأقاموا له نصبا في وسط القاعة الكبيرة في مدرسة الطب لديهم وعلقوا صورته وصورة عربى آخر هو « ابن سينا » في قاعة أخرى كبيرة تقع في شارع سان جيرمان ، حتى إذا ما تجمع فيه طلاب الطب وقعت أبصارهم عليها ورجعوا بذاكرتهم للوراء يسترجعون تاريخها » « 1 » . . . وتقول هونكة « 2 » أيضا : « لقد امتاز الرازي بمعارف طبية واسعة شاملة لم يعرفها أحد قط منذ أيام جالينوس ، وكان في سعى دائم . . وراء المعرفة عابا منها كل ما يمكن عبه باحثا عنها في صفحات الكتب وعلى أسرة المرضى وفي التجارب الكيمائية ، قاطعا الآفاق من أجلها ، وكان يزرع في نفوس تلاميذه الفضيلة وحسن الأخلاق مؤكدا لهم قدسية مهنة الطب ، محاربا ، قولا وعملا ، كل أنواع الشعوذة في أي مكان كانت وفي أية صورة ظهرت . وكان يهتم بعلاج الفقراء ويهبهم بعد العلاج مالا في الوقت الذي كان يعيش فيه شخصيا في تواضع وبساطة لا مثيل لهما . . . وإلى جانب حبه الشديد للطب فقد كان محبا للحكمة والفلسفة ويدافع عن أحقيته في إطلاق اسم الحكيم أو الفيلسوف يقول في « كتاب السيرة الفلسفية » « 3 » . . . أما في باب العلم فلو قيل أنه لو لم تكن عندنا منه إلا القوة على تأليف مثل هذا الكتاب لكان ذلك مانعا عن أن يمحى عنا اسم الفلسفة « 4 » . فضلا عن مثل كتابنا في البرهان » و « في العلم الإلهى » و « في الطب الروحاني » .

--> ( 1 ) هونكة ، زيغرد ، شمس العرب تسطع على الغرب ص 243 . ( 2 ) المرجع السابق ص 246 . ( 3 ) الرازي ، رسائل فلسفية ، جمع وتصحيح بول كراوس ، ط جامعة فؤاد الأول سنة 1939 ص 108 إلى ص 110 . ( 4 ) أقام الرازي مذهبه الفلسفي على خمسة مبادئ هي اللّه والنفس والهيولى والمكان والزمان . . يقول الأستاذ سعد عبد العزيز في كتابه فلاسفة الإسلام ص 56 وص 57 « في نظر الرازي أن هذه الأمور لا بد منها لوجود هذا العالم . . فعنده أن الأحاسيس الجزئية تدل على « الهيولى » وإن تواجد أحاسيس مختلفة ، يستلزم وجود « المكان » ، وإن إدراك الحالات المتغيرة التي تطرأ على « المادة » يؤدى إلى القول بالزمان وأن إدراك وجود الأحياء ، يدلنا على وجود « النفس » و « العقل » وواضح أن « العقل » يجعل الإنسان قادرا على التخيل والتصور ، وإتقان الصنعة ، وذلك كله ، يدل على وجود « خالق أحسن كل شئ خلقه . -