ابن أبي أصيبعة
43
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
ثانيا : الترجمة وأثرها في نضج الطب وعلومه بدأ عصر نضج الطب وعلومه بحركة الترجمة الواسعة التي قادها بعض الخلفاء المستنيرين الذين أنشئوا في مدن عديدة مراكز للعلم والمعرفة والترجمة . والحقيقة أن العرب عندما فتحوا بلاد الفرس والشام وجدوا بها خزائن العلم اليوناني والروماني والفارسي منتشرة عديدة فأمر الخلفاء المهتمين بالعلم بنقل بعضها إلى اللغة العربية وبدأت حركة الترجمة الواسعة للعلم اليوناني من اليونانية إلى السريانية ومن السوريانية إلى العربية « 1 » . ونلاحظ أن معظم الأطباء في العصر الأموي والعباسي كانوا من النصارى الذين يجيدون . السوريانية ونسبة منهم كانوا ممن درسوا بمدرسة جنديسابور أو في ( الرها ) و ( نصيبين ) .
--> ( 1 ) يقول الدكتور فهيم أبادير في كتابه من تاريخ الطب عن العرب ص 25 ، حدث في عام 325 م أن أسست في مدينة أنطاكية بشمال سورية مدرسة على غرار مدرسة الإسكندرية ، وكانت الصلات الثقافية في العصر اليوناني بين مصر وسورية قوية ، ولما كانت مؤلفات الإغريق في ذلك الوقت هي المرجع الوحيد للطب لجأ أساتذة مدرسة أنطاكية إلى ترجمتها إلى لغتهم وهي السريانية . وفي عام 428 م عين أحد خريجى قسم اللاهوت بمدرسة أنطاكية بطريركا على القسطنطينية ويدعى « نسطور » ثم حدث جدل وخلاف نحو تفسير بعض العقائد الدينية كان نتيجته فصل نسطور عن الكنيسة المسيحية وتم ذلك بواسطة مجلس ديني عام عقد في مدينة أفسس عام 431 م ثم اعترض عدد كبير من السوريين على هذا القرار وتضامنوا مع نسطور وانشقوا عن الكنيسة المسيحية ، وأصبحت هذه الجماعة المنفصلة تدعى بالنسطوريين نسبة إلى رائدها المفصول البطريرك نسطور . ثم رحلت هذه الجماعة إلى مدينة « نصيبين » في سورية وإلى « الرها » وهي مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام ، وباشروا نشاطهم العلمي في تدريس الطب حتى أصبحت مدرسة « الرها » من أشهر المدارس الطبية في أواخر القرن الخامس للميلاد ولما تزايد اضطهاد المسيحيين الأرثوذكس لهم ، هاجروا إلى العجم حيث استقبلتهم الأسرة الساسانية بكل ترحاب وأسسوا في النصف الثاني من القرن الخامس في مدينة جنديسابور مدينة طبية يتبعها مستشفى للعلاج وجنديسابور أو جندشهبور هذه المدينة تقع في الجهة الجنوبية الغربية من إيران بناها سابور أحد ملوك العجم وسميت باسمه ( وقد افتتحها المسلمون عام 19 ه ) . وأصبحت هذه المدرسة في أواخر القرن السادس للميلاد أعظم مركز ثقافى وواسطة الاتصال بين النسطوريين وغيرهم من العلماء والأطباء الذين هرعوا إليها من كل مكان مما كان له أثر في تطور الثقافة الطبية الإسلامية فيما بعد وكان الحارث بن كلدة أول طبيب عربى تعلم بها . . . وكانت هذه المدرسة مركزا هاما لترجمة علوم اليونان الطبية إلى اللغة السوريانية ومن أوائل الدين قاموا بترجمة المؤلفات اليونانية « سرجيوس الرأس عيني » توفى عام 536 م ، ترجم قسما من مؤلفات جالينوس وهي موجودة بالمتحف الإبطالى الآن ، ونقح حنين بن إسحاق العبادي . هو وزملاؤه في « دار الحكمة » ببغداد ترجمة سرجيوس الأصلية بعد مرور قرنين من الزمن .