ابن أبي أصيبعة

44

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

. . ويتحدث الجاحظ بأمانة علمية بالغة عن ذلك الوضع فيقول « 1 » عن الطبيب البغدادي المسلم « أسد بن جانى » ، وكان أسد بن جانى طبيبا فأكسد مرة فقال له قائل السنة وبئة ، والأمراض فاشية ، وأنت عالم ، ولك بصر وخدمة ولك بيان ومعرفة ، فمن أين تؤتى في هذا الكساد قال : أما واحدة فإني عندهم مسلم ، وقد اعتقد القوم قبل أن أتطبب ، لا . . بل قبل أن أخلق أن المسلمين لا يفلحون في الطب ، وأسمى ثانية أسد ، وكان ينبغي أن يكون اسمى « صليبا » و « مرايل » و « يوحنا » و « بيرا » وكنيتي أبو الحارث وكان ينبغي أن يكون ردائي حريرا أسودا وأخيرا لفظي لفظ عربى وكان ينبغي أن تكون لغتى لغة أهل جنديسابور « 2 » ، وكانت « جنديسابور » « 3 » مركز العلم السوريانى . . . وكانت شهرة مدينة جنديسابور في ميدان الطب عظيمة وكانت مدرستها لتعليم الطب . لها شهرة مدوية تحت إشراف النساطرة ، ولهذا فإنه لما أصيب المنصور العباسي ( 159 ه - 775 م ) بمرض في مقدمه ولم يفلح في علاجه أطباء بغداد استقدم ( عام 148 ه - 765 م ) جورجيس بن بختيشوع ( ت 771 م ) رئيس أطباء جنديسابور ، ونجح في علاج المنصور ، وأصبح طبيبه الخاص وأصبح أحفاده أطباء الخلفاء العباسيين نحو ثلاثة قرون من الزمان . . . وهكذا أصبحت بغداد مركزا للطب والعلم والترجمة ، وهكذا انتقل أيضا مركز التعليم الطبى من الإسكندرية في عهد عمر بن عبد العزيز إلى أنطاكية ومنها إلى حران إلى جنديسابور إلى بغداد التي أصبحت من أهم مراكز الإشعاع والنور والعلم والترجمة في العالم آنذاك - فما أن جاء عام 900 م حتى كانت كتب أبقراط وجالينوس مترجمة كلها إلى العربية وقد ترجم أهم ما تبقى من المجموعة البقراطية ككتاب الفصل في سبع مقالات ، وكتاب البلدان والمياه والأهوية ، والأمراض الحادة أو الوافدة ، ومقدمة المعرفة والأركان ، والأخلاط وطبيعة الإنسان والأمكنة . والحق أن الكتب اليونانية الأصل شهملت معظم فروع الطب والمعرفة آنذاك .

--> ( 1 ) الجاحظ ، البخلاء ، القاهرة 1313 ه ، ص 109 . ( 2 ) يقصد السوريانية . ( 3 ) يقول الدكتور عبد الحليم منتصر « رحل السوريان إلى ( جنديسابور ) هربا من اضطهاد أباطرة بيزنطية وأساقفتها للمذهب النسطورى الذي اعتنقوه . وكانت الإمبراطورية الرومانية الشرقية في شغل بالخلافات الدينية ومحاربة الهرطقة وقد شغلوا بهذا كله عن العلوم والفلسفة وبقيت الكتب العلمية في مكتبات بيزنطية بعيدة عن متناول الباحثين خوفا عليهم من الزيغ . واحتفظ السوريان بكتبهم المترجمة وحملوها إلى منفاهم . ولا نزاع في أن الطب السوريانى في جنديسابور كان أرقى كثيرا من طب البلاد المجاورة بما في ذلك بيزنطية وأنطاكية والإسكندرية » ميخائيل جميعان : المؤثرات الثقافية الشرقية ص 302 .