ابن أبي أصيبعة

42

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

الترجمة من لغة اليونان إلى العبرانية ، ومن العبرانية إلى السريانية ، ومن السريانية إلى العربية ، قد أخلت بخواص المعاني في إبداء الحقائق إخلالا لا يخفى على أحد . ولو كانت معاني يونان تهجس في أنفس العرب مع بيانها الرائع وتصرفها الواسع وافتنانها المعجز وسعتها المشهورة لكانت الحكمة تصل إلينا صافية بلا شوب كاملة بلا نقص . ( ب ) أن مترجمى العرب كانوا كثيرا ما يقنعون بنقل المعاني المهمة وإهمال ما عذاها عن عمد ، وليس عن جهل ، أو سوء فهم ، وعدم تقيدهم بالنص جعل الترجمة في بعض الحالات أوضح من الأصل الذي نقلت عنه . ( ج ) أن أكثر المترجمين كانوا حريصين على أن يشرحوا أثناء الترجمة ، وأن - يمحصوا وينقدوا وأن يضيفوا إلى الأصل معان وأفكار . وفيما عدا ذلك اشتهر الكثيرون من مترجمى العرب من أمثال حنين ومدرسته وثابت بن قره ، وقسطا بن لوقا بالأمانة والدقة والقدرة على فهم الأصل والتعبير عنه بالعربية الواضحة والفصحى . بل إن ترجمات العرب عن اليونانية أو غيرها إلى العربية وترجمات الفرنجة من العربية إلى اللاتينية في صقلية أو إسبانيا - تشهد بأن العرب كانوا أكثر أمانة ودقة ووضوحا . والذي لا شك فيه عندنا أن ترجمات عشرات الكتب المنطقية والفلسفية خلال العصر العباسي كانت من الأسباب الهامة لازدهار الفكر والعلم ونمائه وتطوره ، ويقول الدكتور التفتازاني : « من العوامل التي أدت إلى ازدهار علم الكلام إبّان العصر العباسي وأعانت على تحديد وسائله ، وتعميق مباحثه ، ودقة مناهجه ، اطلاع المتكلمين من المسلمين على المنطق اليوناني والفلسفة اليونانية أثر نقلهما إلى العربية بتشجيع بعض الخلفاء من العباسيين مثل المنصور والرشيد والمأمون . وأول ما نقل إلى العربية هو المنطق ، وذلك في عهد المنصور ، وقيل إن ابن المقفع هو أول من ترجم المنطق إلى العربية ، ولعل ذلك كان راجعا إلى حاجة المسلمين الملحة إليه ، فقد كان المتكلمون من المسلمين يرغبون في التسلح به ضد خصومهم من أهل الديانات الأخرى ، ممن كانت لهم دراية بالمنطق والفلسفة اليونانية » « 1 » .

--> ( 1 ) التفتازاني ، أبو الوفا الغنيمي ( علم الكلام ) طبعة دار الثقافة بالقاهرة ، ص 23 .