ابن أبي أصيبعة
375
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
قويت رويته في العلم ، فكر في أمره وقال : قد بلغت نيفا وأربعين سنة من العمر وما [ ارتفيت ] « 1 » بشئ ، وما عرفت غير صناعة الملاحة ، فكيف يمكنني أن أتعرض إلى شئ من العلوم ؟ ! فبينما هو مفكر ، إذا رأى نملة قد حملت نواة تمر ، وهي تريد أن تصعد بها إلى علو ، وكلما صعدت بها سقطت ، ولم تزل تجاهد نفسها في طلوعها ، وهي في كل مرة تزيد ارتفاعها عن الأولى . فلم تزل نهارها ، وهو ينظر إليها ، إلى أن بلغت غرضها « 2 » وأطلعتها إلى غايتها . فلما رآها يحيى النحوي ، قال لنفسه : إذا كان هذا الحيوان الضعيف « 3 » قد بلغ غرضه بالمجاهدة ، فأنا أولى إلى أن أبلغ غرضى بالمجاهدة . فخرج من وقته وباع سفينته ، ولازم دار العلم ، وبدأ بعلم « 4 » النحو واللغة والمنطق . فبرع في هذه الأمور وبرز ، لأنه أول ما ابتدأ بعلم « 5 » النحو ، فنسب إليه واشتهر به ، ووضع كتبا كثيرة منها تفاسير وغيرها . ووجدت في بعض تواريخ النصارى : أن يحيى النحوي كان في المجمع الرابع الذي اجتمع في مدينة يقال لها خلكدونية « 6 » / وكان في هذا المجمع ستمائة وثلاثون أسقفا على أنوشيوس ، وهو يحيى النحوي وأصحابه ، وأوتوشيوس ، وتفسيره بالعربي أبو سعيد . وهذا أوتوشيوس كان طبيبا حكيما ، وأنهم لما [ أحرموه لم ] « 7 » ينفوه كما نفوا المحرومين . وكان ذلك لحاجتهم إلى طبه . وترك « 8 » في مدينة القسطنطينة ، ولم يزل مقيما بها حتى مات مرقيان « 9 » الملك . ولهذا يحيى النحو لقب آخر بالرومي ، يقال له فيلوبينوس ، أي المجتهد . وهو من جملة السبعة الحكماء ، المصنفين للجوامع الستة عشر وغيرها في
--> ( 1 ) في الأصل « أوقفت » ، ج د « أومعيت » والمثبت من م . ( 2 ) في ج ، د « غرضها بالمجاهدة » . ( 3 ) في ج ، د « ضعيفا » . ( 4 ) في ج ، د « يتعلم » . ( 5 ) زياة في الأصل فقط . ( 6 ) هي [ خلقيدونية ] : مدينة إغريقية قديمة في آسيا الصغرى . وهي الصقع الذي منه المصيصة وطرسوس » . وفيها عقد المجمع الديني للكنائس المسيحية الشهير ، وذلك في عام 451 م [ أوليرى ، علوم اليونان ص 73 - 76 ؛ ياقوت ، معجم البلدان ج 2 ص 384 . ] ( 7 ) في الأصل ، ج ، د « أخرجوه أن » والتصحيح من م . ( 8 ) ساقط في ج ، د . ( 9 ) مرقيان [ ماريان ] : ( 390 - 457 م ) إمبراطور روماني شرقي ، حكم بين ( 450 - 457 م ) . عقد مجمع خلقدونية 451 م [ محمود سعيد عمران ، معالم تاريخ الإمبراطورية البيزنطية ، دار النهضة العربية ، بيروت 1981 ، ص 375 ] .