ابن أبي أصيبعة

330

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

وسافر أيضا إلى مصر وأقام بها مدة ، فنظر عقاقيرها ، ولا سيما الأفيون في بلد أسيوط من أعمال صعيدها . ثم خرج منها متوجها نحو بلاد الشام راجعا إلى بلده . فمرض في طريقه ومات بالفرما « 1 » ، وهي مدينة على البحر الأخضر في آخر أعمال / مصر . وقال المسعودي في كتاب « المسالك والممالك : إن الفرما على شط بحيرة تنيس ، وهي مدينة حصينة ، وبها قبر جالينوس اليوناني . وقال غيره إنه لما كانت ديانة النصرانية قد ظهرت في أيام جالينوس ، قيل له إن رجلا قد ظهر في آخر دولة قيصر أكتفيان ببيت المقدس يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى ، فقال : يوشك أن يكون عنده قوة إلهية يفعل بها ذلك . فسأل هنالك إن كان بقي ممن صحبه بقية ، فقيل له نعم ! فخرج من رومية يريد بيت المقدس . فجاز إلى صقلية ، وهي يومئذ تسمى سطانيه ، فمات هناك وقبره بصقلية . ويقال إن العلة التي مات بها الذرب « 2 » . وحكى عنه ، أنه لما طالت به العلة ، عالجها بكل شئ فلم ينجح . فقالت تلامذته : إن الحكيم ليس يعرف علاج علته ، وقصروا في خدمته ، فأحسن بذلك منهم . وكان زمانا صائفا ، فأحضر جرة فيها ماء وأخرج شيئا فطرحه فيها وتركها ساعة وكسرها ، وإذا بها قد جمدت فأخذ من ذلك الدواء وشرب واحتقن به فلم ينفع . فقال لتلامذته : هل تعلمون لم فعلت هذا ؟ قالوا : لا . قال : لئلا تظنوا أنى قد عجزت عن علاج نفسي ، فهذه علة تسمى داء مدد « 3 » ، يعنى الداء الذي لا دواء له ، وهو الموت . وهذه الحكاية أحسبها مفتعلة عن جالينوس . وذكر ابن بختويه « 4 » في كتاب المقدمات صفة لتجميد الماء في غير وقته . زعم أنه إذا أخذ من الشب اليماني الجيد رطل ويسحق جيدا ، ويجعل في قدر فخار جديدة ، ويلقى عليه ستة أرطال ماء صاف ويجعل في تنور ويطين عليه ، حتى يذهب منه الثلثان ويبقى الثلث لا يزيد ولا ينقص ، فإنه يشتد ثم يرفع في قنينة [ ويسدّ ] « 5 » رأسها جيدا .

--> ( 1 ) الفرما : مدينة قديمة بين العريش والفسطاط ، قرب قطية وشرقي تنيس على ساحل البحر ، على يمين القاصد لمصر . وبها قبر جالينوس ، وعندها يقرب بحر الروم من بحر القلزم [ ياقوت ، معجم البلدان ج 4 ص 256 ؛ تقويم البلدان ص 106 ] ( 2 ) الذرب : داء في الكبد يعرض للمعدة ، فلا تهضم الطعام فيفسد ولا تمسكه . [ المسائل في الطب ص 491 ] . ( 3 ) في ج ، د « يدد » . ( 4 ) ابن بختويه : هو أبو الحسن ، عبد اللّه بن عيسى بن بختويه . الطبيب ، من أهل واسط وله من الكتب . كتاب « المقدمات » ، ويعرف بكنز الأطباء ، ألفه 420 ه . كتاب والزهد في الطب ، « القصد إلى معرفة الفصد » . [ إسماعيل ، هدية العارفين ، المجلد 1 ص 450 ] سيأتي في الباب العاشر من الكتاب . ( 5 ) في الأصل « ويشد » والمثبت من ج ، د .