ابن أبي أصيبعة
328
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
قال : وإنّي لأعرف وجلا آخر سقط عن دابته ، فتهشم ثم عولج فبرأ من جميع ما كان ناله ، خلا أن إصبعين من أصابع كفه وهما الخنصر والبنصر ، بقيتا خدرتين زمانا طويلا ، وكان لا يحس « 1 » بهما كثير حس ، ولا يملك حركتهما على ما ينبغي ، وكان من ذلك شئ في الوسطى . فجعل الأطباء يضعون على تلك الأصابع أدوية مختلفة ، وكلها لم تنجح . وكلما وضعوا دواء ، انتقلوا منه إلى غيره . فلما أتاني سألته عن الموضع الذي قرع الأرض من [ بدنه ] « 2 » ، فلما قال لي الموضع الذي قرع الأرض منه ، هو ما بين كتفيه ، وكنت قد علمت من التشريح أن مخرج [ العصبة ] « 3 » التي تأتى هاتين الإصبعين من أول خرزة فيما بين الكتفين ، علمت أن أصل البلية هو الموضع الذي تنبت فيه تلك العصبة من النخاع . فوضعت على ذلك الموضع الذي تنبت [ منه ] « 4 » تلك العصبة ، بعض الأدوية التي كانت توضع على الأصابع ، بعد أن أمرت فقلعت عن الأصابع تلك الأدوية التي توضع عليها باطلا ، فلم يلبث إلا يسيرا حتى برئ . وبقي كل من رأى ذلك يتعجب ، من أن ما بين الكتفين يعالج فتبرأ الأصابع . قال : وأتاني رجل آخر أصابته آفة في صوته وشهوته للطعام معا ، فأبرأته بأدوية وضعتها على رقبته . وكان العارض لذلك الرجل ما أصف لك : كان به خنازير « 5 » عظيمة في رقبته في كلا الجانبين ، فعالجه بعض المعالجين فقطع تلك الخنازير ، وأورثه بسوء احتياطه بردا في العصبتين المجاورتين للعرقين النابضين الشاخصين في الرقبة . وهاتان ، العصبتان ينبتان في أعضاء كثيرة ، وتأتى منها شعبة عظيمة إلى فم المعدة ، ومن تلك الشعبة تنال المعدة كلها الحس . إلا أن أكثر ما في المعدة حسا فمها ، لكثرة ما ينبت من تلك العصبة فيها وشعبة يسيرة من كل واحدة من هاتين العصبتين يحرك واحدة من آلات الصوت ، ولذلك ذهب صوت ذلك الرجل وشهوته . فلما علمت ذلك وضعت على رقبته دواء مسخنا ، فبرأ في ثلاثة أيام . وما أحد رأى هذا الفعل منى ثم صبر ، لأن يسمع منى الرأي الذي أدانى إلى علاجه ، إلا عجب . وعلم أن [ احتياج ] « 6 » الأطباء إلى التشريح أعظم الحاجة .
--> ( 1 ) في ج ، د « يحسن » . ( 2 ) في الأصل ، ج ، د « يديه » ، والمثبت من م . ( 3 ) في الأصل « القصبة » والتصحيح من ج ، د . وهكذا كلما تكرر اللفظ . ( 4 ) إضافة من ج ، د ( 5 ) الخنازير : أورام صلبة ، تكون في اللحوم الرخوة وأكثرها يكون في العنق . [ حنين ، المسائل في الطب ، ملحق المصطلحات ، ص 460 ] ( 6 ) ساقط في الأصل . والمثبت من ج ، د .