ابن أبي أصيبعة
327
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
الناس لاختبار علم الأطباء ، فأريت من حضر أشياء كثيرة من أمر التشريح ، وأخذت حيوانا فشققت بطنه حتى أخرجت أمعاءه ، ودعوت من حضر من الأطباء إلى ردها وخياطة البطن على ما ينبغي ، فلم يقدم أحد منهم على ذلك ، وعالجناه نحن فظهر منا فيه حذق ودربة وسرعة كف . وفجرنا أيضا عروقا كبارا بالتعمد ليجرى منها الدم ، ودعونا مشايخ من الأطباء إلى علاجها ، فلم يوجد عندهم شئ ، وعالجتها أنا . فتبين لمن كان له عقل ممن حضر ، أن الذي ينبغي أن يتولى أمر المجروحين ، من كان معه من الحذق ما معي . فلما ولاني ذلك الرجل أمرهم ، وهو أول من ولاني هذا الأمر ، اغتبط « 1 » بذلك . وذلك أنه لم يمت من جميع من ولاني أمره إلا رجلان فقط . وقد كان مات ممن تولى علاجه طبيب كان قبلي ، ستة عشر نفسا . ثم ولاني بعده [ أمرهم ] « 2 » رجل آخر من رؤساء الكمريين ، فكان بتوليته إياي أسعد . وذلك أنه لم يمت أحد ممن ولانيه ، على أنه قد كان بهم جراحات كثيرة جدا عظيمة . وإنما قلت هذا لأدل كيف يقدر الممتحن أن يمتحن ويميز بين الطبيب الماهر وبين غيره ، قبل أن يجرب قوله وعلمه في المرضى . ولا يكون امتحانه له كما يمتحن الناس اليوم الأطباء ، ويقدمون منهم من ركب معهم واشتغل بخدمتهم ، الشغل الذي لا يمكن [ معه الفراغ ] « 3 » لأعمال الطب ، بل يكون تقديمه واختياره لمن كان على خلاف ذلك ، وكان شغله كله في دهره كله في أعمال الطب لا غيرها . قال : وإنّي لأعرف رجلا من أهل العقل والفهم قدمني [ من ] « 4 » فعل واحد / رآني فعلته ، وهو تشريح حيوان بينت به بأي « 5 » الآلات يكون الصوت ، وبأي الحركة منها . وكان عرض لذلك الرجل قبل ذلك الوقت بشهرين ، أن سقط من موضع عال ، فتكسرت من [ بدنه ] « 6 » أعضاء كثيرة ، وبطل عامة صوته ، حتى صار كلامه بمنزلة السرار . وعولجت أعضاؤه ، فصلحت وبرأت بعد أيام كثيرة ، وبقي صوته لا يرجع . فلما رأى منى ذلك الرجل ما رأى ، وثق بي وقلدنى أمر نفسه ، فأبرأته في أيام قلائل ، لأنى عرفت الموضع الذي كانت الآفة فيه [ فقصدت له ] « 7 »
--> ( 1 ) في ج ، د « اعتبوا » . ( 2 ) في الأصل « أمره » والمثبت من ج ، د . ( 3 ) في الأصل « منه النزاع » ، ج ، د « معه النزاع » ، والمثبت من م . ( 4 ) إضافة من ج ، د ( 5 ) في ج ، د « باقي » . ( 6 ) في الأصل « يديه » والمثبت من ج ، د . ( 7 ) ساقط في الأصل ، والإضافة من ج ، د ، م .