ابن أبي أصيبعة

239

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

فلما أن رأس على الهياكل وصار رئيس الكهنة ، جعل يغتذى بالأغذية غير المجوعة وغير المعطشة . وكان إذا ورد عليه وارد ليسمع كلامه ، يكلم على أحد وجهين [ إما ] « 1 » بالاحتجاج والدراس « 2 » ، وإما بالموعظة والمشورة ، فكان لتعليمه شكل ذو [ فنّين ] « 3 » . وحضره سفر إلى بعض الأماكن ، فأراد أن يؤنس [ أصحابه ] « 4 » بنفسه قبل فراقهم ، فاجتمعوا في بيت رجل يقال له ميلون ، فبينما هم في البيت مجتمعون ، إذ هجم عليهم رجل من أهل قروطونيا اسمه قولون ، وكان له شرف وحسب ومال عظيم ، وكان يستطيل بذلك على الناس ويتمرد عليهم ويغتر بالجور . وكان قد دخل على فيثاغورس ، وجعل يمدح نفسه ، فزجره بين يدي « 5 » جلسائه ، وأشار عليه باكتساب خلاص نفسه . فاشتد غيظ قولون عليه ، فجمع أخلاءه وقذف فيثاغورس [ عندهم ونسبه إلى الكفر ، ووافقهم على قتله وأصحابه . ولما هجم عليه قتل منهم أربعين إنسانا وهرب باقيهم ، فمنهم من أدرك وقتل ، ومنهم من أفلت واختفى . ودامت السعاية بهم والطلب لهم ، وخافوا على فيثاغورس ] « 6 » القتل ، فأفردوا قوما منهم ، [ واحتالوا ] « 7 » له حتى أخرجوه من تلك المدينة بالليل ، ووجهوا معه بعضهم حتى أوصلوه إلى قاولونيا ، ومن هناك إلى لوقروس فانتهت الشناعة [ فيه ] « 8 » إلى أهل هذه المدينة ، فوجهوا إليه مشايخ منهم فقالوا له : أما أنت يا فيثاغورس فحكيم فيما ترى ، وأما الشناعة عنك فسمجة جدا ، لكنا لا نجد في نواميسنا ما يلزمك القتل « 9 » ، ونحن متمسكون بشرائعنا ، فخذ منا ضيافتك ونفقة طريقك ، وارحل عن بلدنا تسلم . فرحل عنها إلى طارنطا « 10 » ، ففاجأه هناك قوم من أهل قروطونيا ، فكادوا أن يخنقوه وأصحابه . فرحل إلى ميطابونطيون . وتكاثرت الهيوج في البلاد بسببه ، حتى صار يذكر ذلك أهل تلك البلاد سنين كثيرة . ثم انحاز « 11 »

--> ( 1 ) في الأصل « امر » . والمثبت من ج ، د ، « مختار الحكم » . ( 2 ) ساقط في ج ، د . ( 3 ) في الأصل « قن » والمثبت من ج ، د « مختار الحكم » . ( 4 ) في الأصل ، ج ، د « أصحابا » والمثبت أصح وهو كما في « مختار الحكم » . ( 5 ) ساقط في ج ، د . ( 6 ) ساقط في الأصل ، والإضافة من ج ، د ، وكذا في « مختار الحكم » . ( 7 ) في الأصل « واحتال » والمثبت وهو الأصح من ج ، د . ( 8 ) في الأصل ، ج ، د « فيهم » والمثبت كما في طبعة مولر ، « مختار الحكم » . ( 9 ) ساقط في ج ، د . ( 10 ) طارنطا : إحدى مدن إيطاليا القديمة . منها أرخوطس [ ارختياس ] الطارنطى [ سارتون ، تاريخ العلم ج 4 ص 119 ] . ( 11 ) في الأصل ، ج ، د « انحازوا » .