ابن أبي أصيبعة
23
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
البيت المنسوبون إلى اسقليبيوس . وكان ملوك اليونانيين والعظماء منهم ، ولم يمكنوا غيرهم من تعليم صناعة الطب ، بل كانت الصناعة فيهم خاصة يعلم الرجل منهم ولده أو ولد ولده فقط . وكان تعليمهم بالمخاطبة ولم يكونوا يدونونها في الكتب . وما احتاجوا إلى تدوينه في الكتب دونوه بلغز حتى لا يفهمه أحد سواهم ، فيفسر ذلك اللغز الأب ، للابن . وكان الطب في الملوك والزهاد فقط يقصدون به الإحسان إلى الناس من غير أجرة ولا شرط . ولم يزل كذلك إلى أن نشأ أبقراط من أهل « قوّ » ، و « دمقراط » من أهل « أبديرا » ، وكانا متعاصرين ، فأما دمقراط فتزهد وترك تدبير مدينته ، وأما أبقراط فرأى أهل بيته قد اختلفوا في صناعة الطب ، وتخوف أن يكون ذلك سببا لفساد الطب فعمد على أن دونه بألغاز في الكتب . وكان له ولدان فاضلان وهما « ثاسلس » و « ذوراقن » وتلميذ فاضل وهو « فولوبس » فعلمهم هذه الصناعة وشعر أنها قد تخرج عن أهل اسقليبيوس إلى غيرهم ، فوضع عهدا استحلف فيه المتعلم لها على أن يكون لازما للطهارة والفضيلة . ويقول الدكتور عمر فروخ « 1 » : أول من وصل إلينا اسمه من أطباء اليونان اسقليبيوس الذي بلغ أشده في القرن السابغ قبل الميلاد . وكان اسقليبيوس موفقا في التطبيب فوثق به الناس واشتهر أمره بينهم . واتخذ اسقليبيوس رمزا لصناعة الطب : عصا من الخطمي متعرجة تلتف عليها حية . أما العصا من الخطمي فلأن الخطمي كثير المنافع وأما تعرج العصا فللدلالة على كثرة الأمراض وكثرة طرائق المداواة . وأما الحية فللدلالة على الحكمة واليقظة اللتين يجب على الطبيب أن يتحلى بهما ، وهاتان صفتان موجودتان في الحية . ثم إن الحية طويلة العمر ، وسمها يدخل في علاج عدد من الأمراض . وعلم استقليبيوس أبناءه صناعة التطبيب وامرهم بأن يكتموها عن الناس ولم يدون استقليبيوس ولا خلفاؤه صناعة الطب إلا في أوراق يسيرة رمزا لا يفهمه إلا الذي يقرؤه على الذين دونوه . وفي القرن الخامس قبل الميلاد ظهر أبقراط الذي يعد من أمهر أطباء اليونان . ويقال إن أباه كان من آل « اسقليبيوس » وأمه من آل « إيراقليس » .
--> ( 1 ) فروخ ، عمر ، تاريخ العلوم عند العرب ص 86 .