ابن أبي أصيبعة
154
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
الباب الأول في كيفية وجود صناعة الطب وأول حدوثها أقول : إن الكلام في تحقيق هذا المعنى يعسر لوجوه : أحدها : بعد العهدية « 1 » فإن كل ما بعد عهده وخصوصا ما كان من هذا القبيل ، فإن النظر فيه عسر جدا الثاني : أننا لم نجد للقدماء والمتميزين وذوى الآراء الصادقة ، قولا واحدا [ سادا ] « 2 » . في هذا متفقا عليه فنتبعه . الثالث : أن المتكلمين في هذا لما كانوا فرقا ، وكانوا كثيرى الاختلاف جدا بحسب ما وقع إلى كل واحد منهم ، أشكل التوجيه في أي أقوالهم الحق « 3 » . وقد ذكر جالينوس في تفسيره لكتاب الإيمان لأبقراط ، أن البحث في ما بين القدماء عن أول من وجد صناعة الطب لم يكن بحثا يسيرا . ولنبدأ أولا بإثبات ما ذكره ، مع ما ألحقناه به في جهة الحصر لهذه الآراء المختلفة . وذلك أن القول « في وجود » « 4 » صناعة الطب ينقسم إلى قسمين أولين : فقوم يقولون [ بقدمه ] « 5 » ، وقوم يقولون بحدوثه « 6 » فالذين يعتقدون حدوث « 7 » الأجسام يقولون ، أن صناعة الطب محدثة لأن الأجسام التي يستعمل فيها الطب محدثة . والذين يعتقدون القدم ، يعتقدون في الطب قدمه ، ويقولون أن صناعة الطب قديمة لم تزل مذ كانت « 8 » ، كأحد الأشياء القديمة التي لم تزل ، مثل خلق الإنسان . وأما أصحاب الحدث « 9 » فينقسم [ قولهم ] « 10 » إلى قسمين : فبعضهم يقول أن الطب خلق مع خلق الإنسان ، إذ كان من أحد الأشياء التي بها صلاح الإنسان .
--> ( 1 ) في ج فقط « العهدية به » . ( 2 ) ساقط في الأصل ، والمثبت من ج . وفي د « شاذا » وبهمشها « لعله سديدا » . ( 3 ) في ج ، د « هو الحق » . ( 4 ) في ج ، د « بوجود » . ( 5 ) في الأصل « بعدق » وهو خطأ والتصحيح من ج ، د ومما سيأتي . ( 6 ) في ج « بحدثه » . ( 7 ) في ج « حدث » . ( 8 ) في ج ، د « إن » . ( 9 ) في د ، « الحدوث » . ( 10 ) في الأصل « قولي » وهو خطأ . والتصحيح من ج ، د .