خليل الصفدي
68
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
الغلام ، فجلس الكسائي في مكانه وبقي الغلام قائما مبهوتا . فلما دخل الكاتب قال : ما شأن هذا الغلام قائما ؟ قال : وقع الفعل عليه فانتصب . ذكر ذلك ياقوت في معجم الأدباء « 1 » . وأشرف / الرشيد عليه يوما وهو لا يراه ، فقام الكسائي ليلبس نعليه ، فابتدر الأمين والمأمون فوضعاها بين يديه . فقبّل رءوسهما « 2 » وأيديهما وأقسم عليهما أن لا يعاودا ذلك أبدا . فلما جلس الرشيد مجلسه قال : أيّ الناس أكرم خدما ؟ قالوا : أمير المؤمنين أعزّه اللّه تعالى ، فقال : بل الكسائي ، يخدمه الأمين والمأمون ، وحدّثهم الحديث . وقال الفرّاء : مدحني رجل من النحويين فقال لي : ما اختلافك إلى الكسائي وأنت مثله في النحو ؟ ! ! فأعجبتني نفسي ، فأتيته فناظرته مناظرة الأكفاء ، وكأني كنت طائرا يغرف من البحر بمنقاره . وقال الفرّاء : مات الكسائي وهو لا يدري حدّ نعم وبئس ، ولا حدّ أن المفتوحة ولا حدّ الحكاية . ولم يكن الخليل يحسن حدّ النداء ، ولا كان سيبويه يدري حدّ التعجّب . وكان سبب تعلم الكسائي النحو أنه جاء إلى قوم من الهبّاريين ، وقد أعيا فقال : قد عيّيت ، فقالوا [ له ] « 3 » : أتجالسنا وتلحن ؟ ! ! فقال : كيف لحنت ؟ فقالوا : إن كنت أردت من انقطاع الحيلة والتّحيّر في الأمر فقل : عييت - مخفّفا - ، وإن كنت أردت من التعب فقل : أعييت . فأنف من هذه الكلمة ، ثم قام / من فوره وأتى إلى معاذ الهرّاء « 4 » ، ولازمه حتى أخذ ما عنده . وخرج إلى البصرة ، فأتى الخليل وجلس في حلقته ، فقال له رجل من الأعراب : تركت أسد الكوفة وتميما « 5 » ،
--> ( 1 ) راجع الرواية في معجم ياقوت 13 / 198 ، وانظر المقتبس . ( 2 ) الأدنى إلى الصواب : رأسيهما . ( 3 ) الزيادة من إنباه الرواة . ( 4 ) راجع طبقات الزبيدي 135 . ( 5 ) إنباه الرواة : وتميمها ، وعندهما .