خليل الصفدي

69

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

وعندها الفصاحة ، وجئت إلى البصرة ! ! فقال الخليل « 1 » : من أين أخذت علمك هذا ؟ فقال : من بوادي الحجاز ونجد وتهامة . فخرج ورجع وقد أنفد خمس عشرة قنينة حبرا « 2 » في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ . فلم يكن له همّ غير البصرة والخليل ، فوجد الخليل قد مات / وجلس في موضعه يونس النحويّ . فمرّت بينهما مسائل أقرّ له يونس فيها وصدّره موضعه . ولما أتى حمزة الزيات وتقدم ليقرأ عليه ، رمقه القوم بأبصارهم وقالوا : إن كان حائكا فسيقرأ « سورة يوسف » ، وإن كان ملّاحا فسيقرأ « سورة طه » . فسمعهم فقرأ « 3 » بسورة يوسف . فلما بلغ إلى قصة الذئب قرأ : فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ « 4 » - بغير همز - فقال له حمزة : [ الذئب ] « 5 » بالهمز ، فقال [ له ] الكسائي : وكذلك أهمز الحوت ؟ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ « 6 » قال : لا ، قال : فلم همزت الذئب ولم تهمز الحوت ، وهذا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وهذا فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ؟ فرفع حمزة بصره إلى خلّاد الأحول - وكان أجمل غلمانه - فتقدّم إليه في جماعة من المجلس ، فناظروا « 7 » فلم يصنعوا شيئا . فقال : أفدنا رحمك اللّه . فقال الكسائي : تفهّموا عن الحائك ، تقول : إذا نسبت الرجل إلى الذّئب : قد استذأب الرجل ، ولو قلت : قد استذاب - بغير همز - لكنت إنما نسبته إلى الهزال ، أي : استذاب شحمه - بغير همز - . وإذا نسبته إلى الحوت تقول : قد استحات الرجل ، أي كثر أكله ، لأن الحوت يأكل كثيرا ، لا يجوز فيه الهمز . فلتلك العلّة همز الذئب ، ولم يهمز الحوت . وفيه معنى آخر : لا يسقط الهمز من مفرده ولا من جمعه ، وأنشدهم : [ من الخفيف ]

--> ( 1 ) نفسه : للخليل . ( 2 ) كذا في الأصل ، وفي بعض المصادر : حبر . ( 3 ) إنباه الرواة : فابتدأ ، ولعله الأقرب إلى الصواب . ( 4 ) سورة يوسف 12 / 17 . ( 5 ) الزيادة من تاريخ بغداد . ( 6 ) سورة الصافات 37 / 142 ، وإثبات الآية في مكانها يستدعيه السياق . ( 7 ) إنباه الرواة : فناظروه .