خليل الصفدي
402
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
مثل الشيخ الرئيس أبي عليّ ، إلّا أن عبارته أفصح وأعذب وأحلى وأجلى . وما كان كلام الأطبّاء قبله إلّا كلام عجائز ، حتى جاء الرئيس . وأتى « بالقانون » ، فكأنّه خطب لبلاغة معانيه وفصاحة ألفاظه . وكان الإمام فخر الدّين لا يطلق لفظ الشّيخ إلّا عليه ، وكان يحفظ « الإشارات » التي له ، بالفاء والواو ، ويكتبها من حفظه وحكايته مع القطب المصري فيما يدل على تعظيم الرئيس . مرّت في ترجمة قطب الدين إبراهيم بن علي المصري « 1 » . ولما اختصر الإمام فخر الدين « الإشارات » التي للرئيس ، جاء إلى : « مقامات العارفين » ، وأورده بلفظه ؛ لأنه لم يقدر على الإتيان بأحلى من تلك العبارة ، وقال : « هذا الباب لا يقبل الانتخاب « 2 » لأنه في غاية الحسن ، وما محاسن شيء كلّه حسن ؟ » . وجاء في كلام الرئيس في النّمط التّاسع أن قال : « جلّ جناب الحقّ أن يكون شريعة لكلّ وارد ، أو يطّلع عليه إلّا واحد بعد واحد ؛ ولذلك فإن ما يشتمل عليه هذا الفنّ ؛ ضحكة للمغفّل ، عبرة للمحصّل ، فمن سمعه فاشمأزّ عنه ، فليتّهم نفسه ، فلعلّه لا يناسبه وكلّ ميسّر لما خلق له . » انتهى . قلت : وقد رأيت القاضي الفاضل رحمه اللّه ، قال في بعض فصوله : « وقال ابن سينا - قلقل / اللّه أنيابه بكلاليب جهنّم : جلّ جناب الحقّ ، أن يكون شرعة لكلّ وارد ، أو يطلع عليه إلّا واحد بعد واحد » . وأخذ يعاكسه ، ويظن أجساد ألفاظه ، تكون لهذه الأرواح هياكل ، أو أنّ كلماته المزوّقة تكون للباب هذه المعاني قشورا ، فتشدّق وتفيهق ، وتمطّى وتمطّق : [ من البسيط ] من أين أنت وهذا الشأن تذكره * أراك تقرع بابا عنك مسدودا إلّا أن الرئيس أبا عليّ كان من فلاسفة الإسلام ، وعدّه العلماء في الحكماء . قال تاج الدّين محمد بن عبد الكريم الشّهرستانيّ في كتاب الملل والنّحل « 3 » :
--> ( 1 ) انظر : الوافي بالوفيات 6 / 69 ( 2 ) في الأصل : « الإشخاب » تحريف . ( 3 ) انظر : الملل والنحل 3 / 3 - 46