خليل الصفدي
401
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
من كرفس « 1 » ، في جملة ما يحقن به ، وخلطه بها طلبا لكسر الرّياح ، فقصد بعض الأطبّاء الذي كان يتقدّم هو إليه بمعالجته ، وطرح من بزر الكرفس خمسة دراهم « 2 » ، لست أدري فعله عمدا أو خطأ ؛ لأنّني لم أكن معه ، فازداد السّحج به من حدّة ذلك البزر ، وكان يتناول المثرود يطوس « 3 » لأجل الصرع ، فقام بعض غلمانه وطرح فيه شيئا كثيرا من الأفيون ، وناوله فأكله ، وكان سبب ذلك خيانتهم له في مال كثير من خزانته ، فتمنّوا إهلاكه ؛ ليأمنوا عاقبة أعمالهم . ونقل الشيخ إلى أصبهان ، فاشتغل بتدبير نفسه ، وكان من الضّعف بحيث لا يقدر على القيام ، ولم يزل يعالج نفسه حتى قدر على المشي ، وحضر مجلس علاء الدّولة ، ولكنّه مع ذلك لا يتحفّظ ، ويكثر التّخليط في أمر المجامعة ، ولم يبرأ كلّ البرء ، وكان ينتكس كلّ وقت ويبرأ . ثم قصد علاء الدّولة همذان ، فسار « 4 » معه الشيخ ، فعاودته تلك العلّة في الطريق إلى أن وصل همذان ، وعلم أنّ قوّته قد سقطت ، وأنها لا تفي بدفع المرض ؛ فأهمل مداواة نفسه ، وقال : « المدبّر الذي كان يدبّر بدني ، قد عجز عن التّدبير ، فلا تنفع المعالجة » . ثم اغتسل وتاب ، / وتصدّق بما معه على الفقراء ، وردّ المظالم على من عرفه وأعتق مماليكه ، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة . ثم انتقل إلى جوار ربّه عزّ وجلّ يوم الجمعة في شهر رمضان ، سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ، وعمره ثمانية وخمسون سنة ، وكان مولده في صفر سنة سبعين وثلاثمائة « 5 » » . انتهى . قلت : ولم يأت في الإسلام بعد أبي نصر الفارابيّ ، من قام بعلوم الفلسفة
--> ( 1 ) في عيون الأنباء وتاريخ الحكماء : « بزر الكرفس » . ( 2 ) في تاريخ الحكماء : « خمسة دوانق » . ( 3 ) في عيون الأنباء : « المثرود بطوس » وفي تاريخ الحكماء : « مثروذيطوس » ! ( 4 ) في الأصل : « فصار » تحريف . ( 5 ) في عيون الأنباء : « سنة 375 ه » .