خليل الصفدي

88

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

ورمى بالتفاحة إلى الغلام فقرأ ما فيها وقام فأبطأ وعاد بها فرمى بها في حجر شعر الزنج فأخذها وهو يظن أنّه قد رقّ له فإذا هو قد كتب بالأسود تحت كل سطر : [ من البسيط ] نصدّ عنكم صدود المبغضين لكم * فلا تردّوا إلينا بعدها كلما وما بنا الناس لو أنّا نريدكم * فاصبر فؤادك أو مت هكذا ألما فاشتعلت نيران شعر الزنج وتضاعف وجده ثم ظن أن الغلام يستوضع حرفته بالوقادة فتركها وصار ناطورا يحفظ البساتين بباب الحديد ، وقصد بساتين التفاح التي لا يوجد في بغداد أكبر منها تفاحا فأتى إلى صاحب له ومعه تفاح كثير وقال أحب أن تهدي بعض هذا التفاح إلى الغلام وتعمّد المكتوب منه فنظر ذلك وإذا به قد كتب على تفاحة حمراء ببياض من نفس التفاحة لما كانت على شجرتها : [ من مجزوء الرجز ] جودوا لمن هيّمه * حبّكم فهاما وصار ضوء يومه * من حزنه ظلاما وكتب على أخرى : [ من المنسرح ] مهجة نفس أتتك مرتاحه * تشكو هواها بلفظ تفاحه فأهدى ذلك التفاح إليه فلما قرأ ما عليه قام وقد خجل . وصار شعر الزنج يختار التفاح ويكتب عليه الشعر ويحتال بصنوف الحيل في إيصاله إلى الغلام قال الحاكي لهذه الحال : فإني يوما لجالس ، أنا والغلام إذ اجتاز بنا بائع فاكهة ، جلّ ما معه التفاح فأجلسه الغلام وابتاع منه التفاح بما أراد دون مماكسة وسرّ الغلام برخص ما ابتاعه وجعل يقلب التفاح ويعجب من حسنه فإذا هو في التفاح بتفاحة صفراء مكتوب فيها بالأحمر : [ من السريع ] تفاحة تخبر عن مهجة * أذابها الهجر وأضناها يا بؤسها ما ذا بها ويلها * أبعدها الحب وأقصاها