خليل الصفدي
158
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
وتضمّخ بالخلوق ونادمنا أحسن منادمة ، وكان كلما فعل من هذا شيئا سرّي عن جعفر ، فلما أراد الانصراف قال له جعفر : اذكر حوائجك فإنني ما أستطيع مقابلة ما كان منك ، قال : إن في قلب أمير المؤمنين عليّ موجدة فتخرجها من قلبه وتعيده إلى جميل رأيه فيّ . قال : قد رضي عنك أمير المؤمنين وزال ما عنده عنك . فقال : وعليّ أربعة آلاف درهم دينا . قال : تقضى عنك وإنها لحاضرة ولكن كونها من مال أمير المؤمنين أشرف لك وأدلّ على حسن ما عنده لك قال : وإبراهيم ابني أريد أرفع قدره بصهر من ولد الخلافة ، قال زوّجه أمير المؤمنين ابنته العالية ، قال : وأوثر التنبيه على موضعه برفع لواء على رأسه ، قال : قد ولّاه أمير المؤمنين مصر . وخرج عبد الملك ونحن متعجبون من قول جعفر وإقدامه من غير استئذان فيه . وركبنا من الغد إلى باب الرشيد ودخل جعفر ووقفنا ، فما كان بأسرع من أن دعي بأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك ، ولم يكن بأسرع من خروج إبراهيم والخلع عليه واللواء بين يديه وقد عقد له على العالية بنت الرشيد ، وحملت إليه ومعها المال إلى منزل عبد الملك بن صالح وخرج جعفر فتقدّم إلينا باتّباعه إلى منزله ، وصرنا معه . فقال : أظن قلوبكم تعلّقت بأوّل أمر عبد الملك فأحببتم علم آخره ، قلنا هو كذلك . فقال وقفت بين يدي أمير المؤمنين وعرّفته ما كان من أمر عبد الملك من ابتدائه إلى انتهائه وهو يقول أحسن أحسن فما صنعت معه فعرّفته ما كان من قولي فاستصوبه وأمضاه وكان ما رأيتم . فقال إبراهيم بن المهدي : فو اللّه ما أدري أيهم أعجب فعلا عبد الملك في شربه النبيذ ولباسه ما ليس من لبسه وكان رجل جدّ وتعفف ووقار وناموس ، أو إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم ، أو إمضاء الرشيد ما حكم به جعفر . وحكى القادسيّ في أخبار الوزير أن جعفرا اشترى جارية بأربعين ألف دينار فقالت لبائعها اذكر ما عاهدتني عليه أنك لا تأكل لي ثمنا فبكى مولاها وقال : اشهدوا أنها حرّة وقد تزوجتها ، فوهب له جعفر المال ولم يأخذ منه