خليل الصفدي

21

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

من ألف دينار شيئا ، فأعيدت إلى تاجرها . فقال له أبو المليح : أرني هذه السمكة ! فرآها فطلب بيعها ، فقال : لا أنقصها من ألف دينار شيئا ! فوزن له فيها الألف دينار وتركها عنده ، فاتّفق أن شرب يوما فقال لندمائه : قد اشتهيت سمكا ، هاتم المقلى والنار حتى نقليه بحضرتنا ! فجاءوه بمقلى حديد وفحم وجاء بتلك السمكة العنبر فوضعها في المقلى فجعلت تتقلّى وتفوح روائحها حتى لم يبق بمصر دار إلّا دخلها « 6 » تلك الرائحة . وكان بدر الجمالي جالسا وتزايدت الروائح فاستدعى خزّانه وأمرهم بفتح خزائنه وتفتيشها خوفا من حريق يكون قد وقع فيها ، فوجدوها سالمة ، فقال : ويحكم ، انظروا ما هذا ! فتتبّعوا ذلك حتى وقفوا على حقيقة الخبر فأعلموه بذلك ، فقال : هذا النصرانيّ الفاعل الصانع أكل أموالي واستبدّ بالدنيا دوني ! فلمّا كان من الغد دخل عليه فقال له : ويلك ، أستعظم - وأنا ملك - شرى سمكة بألف دينار وأتركها وتشتريها أنت ، ولم يكفك ذلك حتى تقليها وتذهبها ضياعا في ساعة واحدة وهي بألف دينار مصريّة ، ما فعلت هذا إلّا وقد نقلت بيت مالي إليك . فقال : واللّه ما فعلت هذا إلّا محبّة لك وغيرة عليك ، فإنّك اليوم سلطان نصف الدنيا وهذه السمكة لا يشتريها إلّا ملك ، فخفت أن يذهب بها إلى بعض الملوك ويخبره أنّك استعظمتها ولم تشترها ، فأردت عكس الأمر عليه وأعلمته « 17 » أنّك لم تتركها إلّا احتقارا لها ولم يكن لها عندك مقدار وأنّ كاتبا نصرانيا من كتّابك اشتراها وأحرقها فيشيع ذكرك ويعظم عند الملوك قدرك ! فاستحسن بدر ذلك منه وأمر له بضعفي ثمنها وزاد في رزقه . وأمّا المهذّب والده الخطير - وكان كاتب الجيش بمصر أواخر دولة الفاطميّين - فقصده الكتّاب وجعلوا له حديثا عند صلاح الدين أو عمّه

--> ( 6 ) دخلها ، الأصل : دخلتها ؛ الإرشاد 2 / 245 ، 9 . ( 17 ) أعلمته ، الأصل : أعلمه ، الإرشاد 2 / 245 ، 20 .