خليل الصفدي

16

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

البركات مؤلف « الأحكام » ، وتيمية لقب لجده الأعلى ؛ ولد بحرّان عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وتحول به أبوه إلى دمشق سنة سبع وستين وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبع مائة وسمع من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر والكمال ابن عبد وابن أبي الخير وابن الصيرفي والشيخ شمس الدين والقاسم الإربلي وابن علان وخلق كثير وبالغ وأكثر ؛ وقرأ بنفسه على جماعة ، وانتخب ونسخ عدة أجزاء و « سنن أبي داود » ونظر في الرجال والعلل ، وصار من أئمة النقد ومن علماء الأثر مع التديّن والتّأله والذكر والصيانة والنزاهة عن حطام هذه الدار والكرم الزائد ؛ ثمّ إنه أقبل على الفقه ودقائقه وغاص على مباحثه ونظر في أدلته وقواعده وحججه والاجماع والاختلاف حتى كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من الخلاف واستدل ورجّح واجتهد . حكي لي أنه قال يوما للشيخ صدر الدين ابن الوكيل : يا صدر الدين أنا أنقل في مذهب الشافعي أكثر منك ، أو كما قال . وقال الشيخ شمس الدين : ما رأيت أحدا أسرع انتزاعا للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه ، ولا أشد استحضارا لمتون الأحاديث وعزوها إلى الصحيح أو المسند أو السنن كأنّ ذلك نصب عينه وعلى طرف لسانه بعبارة رشقة حلوة وإفحام للمخالف ، وكان آية من آيات اللّه تعالى في التفسير والتوسع فيه لعلّه يبقى في تفسير الآية المجلس والمجلسين ؛ قلت : حكى لي من سمعه يقول : إني وقفت على مائة وعشرين تفسيرا ، أستحضر من الجميع الصحيح الذي فيها ، أو كما قال . قال الشيخ شمس الدين : وأما أصول الدين ومعرفة أقوال الخوارج والروافض والمعتزلة والمبتدعة فكان لا يشقّ فيها غباره ، هذا مع ما كان عليه من الكرم الذي لم أشاهد مثله قط والشجاعة المفرطة والفراغ عن ملاذّ النفس : من اللباس الجميل والمأكل الطيب والراحة الدنيوية . قلت : حكي لي عنه أن والدته طبخت يوما قرعية ولم تذقها أولا وكانت مرّة فلمّا ذاقتها تركتها على حالها فطلع إليها وقال : هل عندك ما آكل ؟ قالت : لا إلّا أنني طبخت قرعا كان