خليل الصفدي

16

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

ومنها أنّه نفى إرادة اللّه تعالى حقيقة فإذا قيل إنّه مريد لأفعال العباد فالمراد أنّه أمر بها ، وعنه أخذ هذا المذهب أبو القاسم الكعبي « 1 » . ومنها أنّه وافق الفلاسفة على أن الإنسان حقيقة هو النفس ، والبدن قالبها ، ثم إنّه قصر عن إدراك مذهب الفلاسفة فمال إلى قول الطبيعيّين فقال : الروح جسم لطيف مشابك للبدن داخل بأجزائه فيه كالدهن في السمسم والسمن في اللبن . ومنها أنّه وافق الفلاسفة في نفي الجزء الذي لا يتجزأ ، وما أحسن قول ابن سناء الملك : ولو عاين « 2 » النّظام جوهر ثغرها * لما شكّ فيه أنّه الجوهر الفرد ولما ألزم النظام مشي نملة على صخرة من طرف إلى طرف أنها قطعت ما لا يتناهى وهي متناهية فكيف يقطع ما يتناهى ما لا يتناهى أحدث القول بالطّفرة وقال : تقطع النملة بعض الصخرة بالمشي وبعضها بالطفرة ، واستدلّ على ذلك بأدلّة كثيرة مذكورة في كتب الأصول منها أنّا لو فرضنا بئرا طولها مائة ذراع وفي وسطها خشبة معترضة ثابتة وفي الخشبة حبل مشدود من الخشبة إلى الماء يكون طول الحبل خمسون ذراعا وفي رأس الحبل دلو مربوط فإذا ألقي من رأس البئر إلى الخشبة المذكورة حبل طوله خمسون ذراعا في رأسه علاق فجرّ به الحبل المشدود في الخشبة فإن الدلو يصعد إلى رأس البئر بالحبل الأعلى الذي فيه العلاق وطوله خمسون ذراعا ويقطع مائة ذراع في زمان واحد وليس ذلك إلّا أن البعض انقطع بالطفرة ، فضرب المثل بهذه المسألة فقيل : طفرة النظام ، فإنها ضحكة ، وقد أجاب الأصحاب عن هذه المسألة بأن الطفرة قطع مسافة قطعا ولكن الفرق بين المشي والطفرة

--> ( 1 ) انظر بروكلمان ، الذيل 1 : 343 . ( 2 ) ديوانه 2 : 72 : أبصر .