خليل الصفدي
326
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
وسأل الملك عنهم بعد ذلك فقيل له : سافروا ، فسرّ بذلك ، وتسامع أهل الجبل بهم وقصدوهم من كلّ فجّ عميق يلتمسون بركة محمد ودعاءه فكان كلّ من استدناه عرض عليه ما في نفسه فإن أجابه أضافه إلى خواصّه وإن أبى أعرض عنه وكان أصحاب العقول ينهون من يميل إليه خوفا من السلطان ، فطال الأمر على محمد وخاف من حلول المنيّة ورأى بعض أولاد القوم شقرا زرقا وألوان آبائهم إلى السمرة والكحل فسألهم عن ذلك فأجابوه بعد جهد : إنه علينا خراج للملك فإذا جاء مماليكه نزلوا بيوتنا وأخرجونا عنها ويخلون بمن فيها من النساء ، فقال لهم : واللّه إن الموت خير من هذه الحياة ! كيف حالكم مع ناصر يقوم بدفع هذا عنكم ؟ قالوا : نقدّم نفوسنا له من الموت ومن هو ؟ قال : ضيفكم ، يعنى نفسه وكانوا يغالون في تعظيمه فأخذ عليهم العهود والمواثيق وقال : استعدّوا لحضورهم بالسلاح وإذا جاءوا أجروهم على عادتهم وميلوا عليهم بالخمر فإذا سكروا ادنوني منهم « 1 » ، فلما حضروا فعل بهم ذلك وأعلموه بأمرهم ليلا فأمر بقتلهم فأتوا على آخرهم ونجا منهم واحد وكان خارج الدار فهرب ولحق بمرّاكش وأخبر الملك فندم على فوات محمد وعلم أن الحزم كان ما رآه ابن وهيب فجهّز عسكرا إلى وادي تين ملّ وعلم محمد أن العسكر يحضر إليهم فأمرهم بالقعود على نقاب الوادي ومراصده واستنجد لهم المجاورين فلما وصل العسكر أقبلت الحجارة عليهم مثل المطر من جانبي الوادي ولم يزالوا كذلك إلى أن حان الليل بينهم فرجع العسكر إلى الملك فعلم أنه لا طاقة له بأهل الجبل فأعرض عنهم ، وتحقّق ذلك محمد وصفت له مودّة أهل الجبل فأمر الونشريشيّ وقال : أظهر فضائلك وفصاحتك دفعة واحدة ، فلما صلّوا الصبح قال : رأيت البارحة في نومي ملكين قد نزلا من السماء وشقّا بطني وغسلاه وحشياه علما وحكمة وقرآنا ، فانقاد له كلّ صعب القياد وعجبوا من حاله وحفظه
--> ( 1 ) في وفيات الأعيان : آذنوني بهم