خليل الصفدي
11
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
والاملاق ، ذكّى الفطرة ، زكىّ المخالطة والعشرة ، مطّرح التكلّف مع أصحابه ، عديم التخلّف عن اشكاله واضرابه ، ومع ذلك فلم يرزق أحد وجاهته في صدور الصدور ، ولا فرح أحد بسيادته التي آربت على تمام البدور ، وكان معروفا بحلّ المشكلات ، موصوفا بايضاح المعضلات ، كثير التلاوة والأذكار ، كثير الصلاة في نوافل الاسحار ، موثوقا بديانته ، مقطوعا بامانته ، واما علمه بالعربية فاليه الرحلة من الأقطار ، ومن فوائده تدرك الأماني وتنال الأوطار ، قد اتقن النحو وتصريفه ، وعلم حدّ ذلك ورسمه وتعريفه ، ما اظنّ ابن يعيش مات الّا من حسده ، ولا ابن عصفور لأجله طار ذكره الّا في بلده ، ولا المرسى رست له معه قواعد ، ولا لأبي البقاء العكبري معه ذكر خالد ، بذهن نحّى النحّاس القديم عن مكانه ، وجعل ابن برّى بريّا من فصاحة لسانه ، وتحقيق ما اهتدى ابن جنّى إلى اظهار خباياه ، ولا نسبت إلى السخاوي هباته ولا عطاياه ، تخرّج به الأفاضل ، وتحرّج منه كلّ مناظر ومناضل ، وانتفع الناس به وبتعليمه ، وصاروا فضلاء من توقيفه وتفهيمه ، وكتب خطّا ازرى بالوشى إذا حبك ، والذهب إذا سبك ، ولم يزل على حاله إلى أن بلغ من الحياة امدها ، واهدى الزمان إلى عينه بفقده رمدها ، وتوفى رحمه اللّه تعالى يوم الثلاثاء سابع جمدى الآخرة سنة ثمان وتسعين وست مائة بالقاهرة ، ومولده بحلب في سلخ جمدى الآخرة سنة سبع وعشرين وست مائة ، وكان من العلماء الأذكياء الشعراء له خبرة بالمنطق وحظّ من أقليدس وكان على ما قيل يحفظ ثلث صحاح الجوهري « 1 » وكان مطّرحا صغير العمامة يمشى في الليل بين القصرين بقميص وطاقية فقط وربما ضجر من الاشغال فاخذ الطلبة ومشى بهم بين القصرين والقى لهم الدروس وكان متين الديانة وله ابّهة وجلالة في صدور الناس ، وكان بعض القضاة إذا انفرد
--> ( 1 ) في الهامش بغير خط المؤلف : وثلث سيبويه صح