خليل الصفدي

4

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

على تواريخ ماتت اخبارها في جلدها ، ودخلت بتسطيرها الذي لا يبلى جنّة خلدها ورأيت كلّا ما يعلّل نفسه * بتعلّة وإلى الممات يصير « 1 » ووجدت النفس تستروح إلى مطالعة اخبار من تقدّم ، ومراجعة آثار من خرب ربع عمره وتهدّم ، ومنازعة أحوال من غبر في الزمان وما ترك للشعراء من متردّم ، إذ هو فنّ لا يملّ من إثارة دفاين دفاتره ، ولا تبلّ جوانح من الفه الا بمواطن مواطره ، كم من ناظر اجتنى زهرا ناضرا من أوراقه ، وكم من ماهر اقتنى قمرا سافرا بين ازواقه ، لأن المطّلع على اخبار من درج ، ووقايع من غاب في غاب الموت وما خرج ، ومآثر من رقا إلى سماء السيادة وعرج ، ومناقب من ضاق عليه خناق الشدّة إلى أن فتخ له باب الفرج ، يعود كأنّه عاصر أولئك ، وجلس معهم على نمارق الاسّرة واتّكأ بينهم على وسائد الارايك ، واستجلى اقمار وجوههم امّا في هالات الطيالس أو في دارات الترايك ، وشاهد من اشرارهم شرر الشياطين وفضّ له فضل اخيارهم في ملأ الملائك ، وعاطاهم سلافة عصرهم في عصرهم السالف ، ورآهم في معاركهم ينتشقون رياحين السيوف ويستظلّون القنا الراعف ، فكأنما أولئك القوم لداته واترابه ، ومن ساءه منهم أعداؤه ومن سرّه أحبابه ، لكنهم درجوا في الطليعة من قبله ، واتى هو في الساقة على مهله وما نحن الّا مثلهم غير أنهم * مضوا قبلنا قدما ونحن على الأثر والتاريخ للزمان مرآة ، وتراجم العالم للمشاركة في المشاهدة مرقاة ، واخبار الماضين لمن عاقر الهموم ملهاة

--> ( 1 ) البيت للمتنبى من قصيدة يرثى بها محمد بن إسحاق التنوخي وهو البيت الثاني من القصيدة الا ان بدل ( الممات ) لفظ ( الفناء ) وأولها : انى لا علم واللبيب خبير * ان الحياة وان حرصت غرور كذا في ديوانه المكتوب بالخط في مكتبة كوبريلى نمرته 1262 ورقة 23 وقال الواحدي في شرح البيت ( ما ) زيادة للتوكيد اى رأيت كل أحد يعلل نفسه ( م )