ابن خلكان

مقدمة 44

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وهزمت من التتار والفرنج العدوين ، ورابطت من الملح الأجاج والعذب الفرات بالبرين والبحرين . . . » وهي رسالة طويلة ، لا يختلف أسلوبها المسجوع عما درج عليه كتاب ذلك العصر . وبعد أن قرىء هذا الكتاب على السلطان ، كتب أيضا كتاب التمليك الشرعي لكل أمير ، وفرقت النسخ على الأمراء ، وأحسن الظاهر إلى ابن خلكان وخلع عليه « 1 » . وأجرى الملك الظاهر في هذه السنة بعد عودته إلى القاهرة أول تغيير جذري في نظام قضاء القضاة . فقد كان قاضي القضاة بمصر - كما كان في ديار الشام حتى ذي الحجة من هذا العام - شافعي المذهب ، وصادف أن كان صاحب هذا المنصب بمصر وهو ابن بنت الأعز يتوقف كثيرا في أمور تخالف مذهب الشافعيّ ، فأصدر الملك الظاهر أمرا بتعيين ثلاثة قضاة آخرين مستقلين في الحكم ، يمثلون المذاهب السنية الثلاثة الأخرى « 2 » ؛ ولكن هذا القرار لم يجر تنفيذه في ديار الشام إلا في السنة التالية ( 664 ) . ففي شهر جمادى منها وصل المرسوم الشريف الظاهري بأن يكون في دمشق أربعة قضاة ، ووصلت ثلاثة تقاليد لشمس الدين محمد بن عطاء الحنفي والزين عبد السلام الزواوي المالكي وشمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر الحنبلي ، ولكل واحد منهم الحق في تعيين نائب أو عدد من النواب ، فأبى المالكي أن يقبل ، ووافق الحنبلي إلا أنه اعتذر بالعجز ، وقبل الحنفي ، إذ كان في حقيقة الحال نائبا لابن خلكان . غير أن الظاهر عاد يؤكد على المالكي والحنبلي بضرورة القبول ، وإلا انتزع ما بأيديهما من الأوقاف ، فأجابا ، وفي اليوم التالي أشهد المالكي على نفسه بأنه عزل نفسه عن القضاء والأوقاف ، وتجدد الأمر بالزامه ، فقبل أخيرا إلا أنه ظلّ هو والحنبلي ممتنعين من أخذ

--> ( 1 ) كنز الدرر 8 : 108 - 114 . ( 2 ) ابن كثير 13 : 245 وذيل مرآة الزمان 2 : 324 وهو يعلل ذلك بأن ابن بنت الأعز توقف في تنفيذ الأحكام وكثرت الشكاوى منه ، وكان جمال الدين ايدغدي يكرهه ، فأشار باستحداث ثلاثة مناصب أخرى ، وهذا ايدغدي هو الذي أشار من قبل بتولية ابن خلكان .