ابن خلكان
مقدمة 43
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وخلا منصب التدريس بدار الحديث في أواخر جمادى الآخرة ( 662 ) إذ توفي المدرس بها جمال الدين ابن الحرستاني ، وصلّى عليه قاضي القضاة بجامع دمشق ، ثم عين أبو شامة خلفا له ، وحين بدأ بذكر الدرس فيها من تصنيفه خطبة كتاب المبعث ، والحديث والكلام على سنده وفنّه ، كان ابن خلكان أحد حضور ذلك الدرس « 1 » . وفي سنة 663 كانت احدى غزوات الظاهر الكثيرة ضد قلاع الصليبيين في بلاد الشام ، وقد وجه همّه في ذلك العام للاستيلاء على قيسارية ، فاستولى عليها في جمادى الأولى ، ثم استولى على أرسوف في رجب ، وكانت القاعدة المتبعة إرسال كتب البشائر إثر كل فتح ، وقد ورد عليه كتاب البشارة بفتح أرسوف من إنشاء فتح الدين عبد اللّه بن القيسراني مفتتحه كالآتي : « جدد اللّه البشائر الواردة على المجلس السامي القضائي وسرّه بما أسمعه ، وأبطل ببركته كيد العدوّ ودفعه ، وجاء بها سبب الخير وجمعه ، ولا زالت التهاني إليه واردة ، والمسرّات عليه وافدة ، ونعم اللّه وبركاته لديه متزايدة » ثم وصف للفتح ، وتوجيه لابن خلكان كي يحدث بهذا النصر الفقهاء والعدول ، ويكاتب نوابه بخبره ، وينشره بين الناس ، ويدعو للملك باطراد النصر « 2 » . وبعد الانتصار في أرسوف استدعى الملك الظاهر قاضي القضاة وجماعة العدول ووكيل بيت المال وجماعة من الفقهاء والأئمة ، لكي يشهدوا تمليك الأمراء ما وزعه عليهم من الاقطاعات ؛ وحضر ابن خلكان إلى غزة وكتب مكتوبا خاصا بالتمليك ، وهذا بعض نصه ليكون فيه دلالة على أسلوب ابن خلكان الانشائي : « أما بعد . . . فان خير النعمة نعمة وردت بعد الياس ، وجاءت بعد توحشها وهي حسنة الايناس ، وأقبلت على فترة من تخاذل الملوك وتهاون الناس ، وقرعت أبواب الجهاد وقد غلقت في الوجوه ، وأنطقت ألسنة المنابر وشفاه المحابر بالبشائر التي ما اعتقد أحد أن بها تفوه ، فأكرم بها نعمة على الإسلام وصلت للملة المحمدية أسبابا ، وفتحت للفتوحات أبوابا ،
--> ( 1 ) ذيل الروضتين : 229 وابن كثير 13 : 242 والدارس 1 : 23 . ( 2 ) ذيل مرآة الزمان 2 : 319 - 320 .