ابن خلكان

مقدمة 32

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

لأن فتر دراسته في حلب لم تستمر مطردة ، بل ارتحل منها ، وربما كان لوفاة ابن شداد ( 14 صفر 632 ) أثر مباشر في ازماعه الانتقال منها . وتوجه إلى دمشق ، فأقام فيها عاما كاملا ، دخلها في شوال سنة 632 للاستغال على الشيخ ابن الصلاح ، أحد فضلاء عصره في التفسير والحديث والفقه ، وكان يدرس بالمدرسة الرواحية ودار الحديث بدمشق ومدرسة ست الشام ، ويقوم بوظائف الجهات الثلاث من غير اخلال بشيء منها « 1 » . ولا يحدثنا ابن خلكان عن المواد التي درسها على ابن الصلاح ، وان كنا نستطيع أن نقدر أن الحديث كان أهمها ، إلا أنه يقرّ بأنه كان أحد أشياخه الذين انتفع بهم . وقد أتيح لابن خلكان أن يرى الملك الكامل والملك الأشرف في دمشق ( 633 ) وهما يركبان معا ويلعبان معا بالكرة في الميدان الأخضر الكبير في شهر رمضان من ذلك العام ، ويرى تأدب كلّ واحد منهما مع الآخر « 2 » ، ولعله في هذه الفترة رفع قصيدة إلى الملك الكامل يمدحه بها ، ومطلعها : هوى بين أحناء الضلوع مخامر * وفرط غرام أضمرته السرائر وفيها يقول في مدحه : لقد خذل الباغين منصور جيشه * ولكنه للدين في اللّه ناصر فردّ وجوه الروم سودا ببيضه * فعاد بأحزاب الصغار الأكابر وفي سمره حمر المنايا فمن سطا * ثعالبها تخشى الليوث الخوادر وليست هذه أولى محاولاته الشعرية ، بل كان كثيرا ما يجرب قريحته بنظم الشعر ، مثلما كان يعوّد ذاكرته - إلى جانب دراسة الأصول الفقهية وغيرها - حفظ الأشعار الرقيقة « 3 » . وقد لقي وهو بدمشق عددا من طلاب العلم والعلماء ، كان من بينهم رجل فاضل في علوم الرياضة أشكلت عليه

--> ( 1 ) الوفيات 3 : 243 ، 244 . ( 2 ) الوفيات 5 : 333 . ( 3 ) عقود الجمان 1 : 455 .