ابن خلكان
مقدمة 31
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
عنده ، وقد أعجبته في ذلك الأستاذ خفة روحه ، وصبره الطويل في التفهيم ، للمبتدئين والمنتهين على السواء ، وسجل من نوادره وظرفه صورا حية عندما ترجم له « 1 » . ومنذ أن حلّ ابن خلكان مدينة حلب ، جعل همّه أن يلقى المؤرخ عز الدين ابن الأثير ، وكان حينئذ يقيم في تلك المدينة في صورة الضيف عند الطواشي شهاب الدين طغريل الخادم أتابك الملك العزيز صاحب حلب ، وجعل يتردد إليه طوال إقامته في تلك المدينة ، وابن الأثير يرعاه رعاية خاصة ، لعلاقة وثيقة كانت بينه وبين والده ، وانقطع تردده إليه حين سافر ابن الأثير إلى دمشق سنة 628 ، فلما عاد إليها ، عاد ابن خلكان يلازمه غير أنه لم يقم طويلا وسافر إلى الموصل « 2 » ، ومن هذه العلاقة على قصرها نجده يتحدث عن ابن الأثير بكثير من الاجلال ، ويعده أحد شيوخه . كذلك فإنه يعد عبد اللطيف موفق الدين البغدادي من شيوخه ، ولا بد أن نفترض أنه لقيه بحلب ، إذ نزلها عبد اللطيف في أواخر رمضان سنة 626 - أي قبل مقدم ابن خلكان بقليل ، وأقام بها مدة والناس يشتغلون عليه ، وشهاب الدين طغريل الأتابك يرعى جانبه ، وكان يتردد إلى جامع حلب ويسمع الحديث ويقرئ العربية « 3 » . وكان هناك أستاذ آخر يعقد حلقة التدريس بجامع حلب في المقصورة الشرقية المشرفة على صحن الجامع قبالة المقصورة التي يصلي فيها قضاة حلب يوم الجمعة ، ذلك هو الأستاذ ابن الجبراني ، وكان أستاذا متضلعا من علم اللغة ، ولكن ابن خلكان لم يدرس عليه وإنما أتيح له أن يتسقط بعض حديثه وهو جالس في قبالة تلك المقصورة ، إلا أنه صادف من بعد عودته من دمشق أحد تلامذة الجبراني وهو أبو المحاسن الشواء ؛ أقول : بعد عودته من دمشق ،
--> ( 1 ) ترجمته في ج 7 : 46 وانظر بخاصة : 48 . ( 2 ) الوفيات 3 : 349 . ( 3 ) ابن أبي أصيبعة 2 : 207 - 208 وانظر الوفيات 6 : 76 حيث يقول المؤلف عند ذكر عبد اللطيف « شيخنا » .