ابن خلكان
مقدمة 30
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
الماهاني . ولكن هذا الشيخ توفي بعد سنة من إقامتهما بحلب ، فأخذ أحمد يتردد إلى الشيخ أبي عبد اللّه ابن الخباز الموصلي الفقيه ، وهو إذ ذاك يدرّس بالمدرسة السيفية ، فقرأ عليه كتاب « الوجيز » للغزالي وبلغ فيه حتى « باب الاقرار » « 1 » ، وبالجملة قرأ عليه صدرا صالحا من فقه الإمام الشافعي وتميز فيما قرأ عليه « 2 » . وفي أثناء ذلك كان ابن شداد يعقد مجالس الحديث في داره ، وخاصة تلك المجالس التي كان يعقدها عقب صلاة الجمعة ، وكان رجلا حسن المحاضرة ، تجري في مجالسه الفوائد الكثيرة ، إلا أن الكبر كان قد أوهنه بحيث أصبح « كفرخ الطائر من الضعف » وأخذ جسمه يعجز عن تحمل البرد ، فكان دائما يجعل في غرفته منقلا كبيرا تؤجج فيه النار ، وقد تدثر بالثياب الثقيلة ، والطلاب من حوله في كرب وضيق لشدة الحرّ « 3 » ؛ وإذا كان أحمد لم يدرك ابن شداد في السن التي يمكنه فيها أن يفيد منه فائدة كبيرة ، فإنه أفاد كثيرا من مجلسه الحافل بشتى أنواع الفوائد ، وفي ذلك المجلس تعرّف إلى عدد كبير من علماء المدينة وأدبائها ، وتعرف إلى عدد آخر من طلاب العلم ، وانعقدت بينه وبين بعضهم صداقات متينة . وكان الأساتذة المذكورون قادرين على تخريج الطلاب في علوم الفقه والحديث ، ولكن حرص ابن خلكان على دراسة اللغة والنحو جعله يتجه إلى أستاذ آخر ، كان يعد في عصره شيخ الجماعة في الأدب ، وذلك هو موفق الدين ابن يعيش ، وكان يقرئ بعد العصر بجامع حلب في المقصورة الشمالية منه ، وبين الصلاتين بالمدرسة الرواحية ، وكان قد التف حوله جماعة من الطلبة المتميزين لا يفارقون دروسه ، فأخذ أحمد في القراءة عليه ، وابتدأ بكتاب اللمع لابن جني ، أواخر سنة 627 ، ولكنه أكمل الكتاب على غيره لأسباب اقتضت ذلك . وفي الوقت نفسه كان يستمع لدروس من يحضر
--> ( 1 ) المصدر السابق . ( 2 ) عقود الجمان 1 : 455 . ( 3 ) الوفيات 7 : 91 .