ابن خلكان

مقدمة 29

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

تلك الرحلة السريعة على شغفه - في دور مبكر - بتقييد كلّ ما يعتقد فيه فائدة علمية « 1 » ، وواصل سفره إلى حلب فمرّ في طريقه إليها بمدينة حرّان ( في شوال سنة 626 ) وكان الملك الكامل الأيوبي هنالك ومعه العساكر المصرية وهو يكشف أحوال المدينة ويرتب أمورها « 2 » ؛ وفي مستهل ذي القعدة من ذلك العام ( 626 ) دخل مدينة حلب « 3 » ، ومنذ حلوله في تلك المدينة تبدأ أخصب فترة في حياته من حيث تلقي العلم على الشيوخ المشهورين ، فقد كانت حلب بفضل القاضي بهاء الدين ابن شداد تشهد نشاطا تعليميا كبيرا ، ذلك أن هذا القاضي الذي كان صديقا لصلاح الدين ، كان قد أصبح منذ سنة 591 قاضيا ومستشارا للملك الظاهر ابن صلاح الدين ، فبدأ بفتح المدارس وتحبيس الوقوف عليها ، فعمر مدرسة قبالة المدرسة النورية ( 601 ) وبنى دارا للحديث ، وأصبحت المدينة بفضل جهوده مقصدا للفقهاء وطلاب العلم الذين كانوا يجدون المأوى والنفقة الجارية « 4 » . وكان من حسن حظ أحمد وأخيه أن كان ابن شداد صديقا لوالدهما منذ عهد الاشتغال بمدينة الموصل ، وكانا يحملان إليه كتاب توصية من كوكبوري جاء فيه « أنت تعلم ما يلزم من أمر هذين الولدين ، وأنهما ولدا أخي وولدا أخيك ، ولا حاجة مع هذا إلى تأكيد وصية » « 5 » . ورعاية لحق الصداقة ومكانة الموصي ، تلقاهما ابن شداد بكل ترحيب وأنزلهما في مدرسته ، وقرّر لكل منهما مرتبا عاليا يساوي مرتب الطلبة الكبار ، رغم حداثة سنيهما . ولم يكن ابن شداد يقوم بمهمة التدريس في ذلك الوقت لكبر سنه ، وإنما كان قد رتب في مدرسته أربعة معيدين يشتغل الطلاب عليهم . فبدأ أحمد وأخوه يقرءان على بلديّهما ورفيق والدهما أيضا الشيخ جمال الدين أبي بكر

--> ( 1 ) انظر مثلا الوفيات 7 : 98 ، 4 : 161 . ( 2 ) الوفيات 5 : 81 ، 332 . ( 3 ) الوفيات 6 : 139 ، 7 : 48 . ( 4 ) الوفيات 7 : 89 - 90 . ( 5 ) الوفيات 7 : 90 .