ابن خلكان

مقدمة 28

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

ولكن لا نظن أن ابن خلكان أكن احتراما كبيرا لابن دحية ، فقد كان في آخر كتابه قصيدة مطلعها : لولا الوشاة وهم * أعداؤنا ما وهموا وقد « أوهم » ابن دحية أهل اربل أنها من نظمه ، ولكن حين اتسع اطلاع الفتى ابن خلكان وجدها في ديوان الأسعد ابن مماتي ، فصحّ لديه ما كان ينسب لابن دحية من الكذب ، وان كان تحرجه المتأدب يمنعه من التصريح السافر بذلك « 1 » . كان أحمد قد تجاوز الثامنة عشرة بقليل حين عقد النية على أن يغادر اربل طلبا للعلم ، ولم يكن يقدّر وهو يرتحل عنها أنه لن يعود إليها من بعد ، وكان أحد أخويه في صحبته في تلك الرحلة ؛ وكان اعتماده - بعد التعاون المشترك بينه وبين أخيه في مواجهة ظروف الحياة - على شيئين : كتب توصية حملاها من صديق الأسرة ، حاكم اربل ، مظفر الدين كوكبوري ، ووفرة أصدقاء والدهما في المدن التي سيحلان فيها ؛ وتلقتهما الموصل ، وأخذ أحمد يتردد إلى خدمة كمال الدين موسى بن يونس بن منعة لما كان بينه وبين والده من المؤانسة والمودة الأكيدة « 2 » ، وقد تردد إليه عدة مرات في شهر رمضان سنة 626 ، بينا سبقه أخوه في طريقه إلى حلب ، ولكنه لم يستطع أن يتتلمذ عليه ، رغم إعجابه الشديد به ، إذ كانت حلب لا الموصل حينئذ هي مطمح أنظاره ، ولكنه أضمر في نفسه انه إن قدّر له أن يتزوج وأن يرزق ولدا ، فإنه سيسمي ذلك الولد « موسى » ، تيمنا باسم ذلك الأستاذ العظيم ، ذي المكانة الكبيرة في نفسه « 3 » . ورغم أن إقامته في الموصل لم تطل فإنه اجتمع فيها إلى بعض الأدباء ، ويدلّ تسجيله لبعض ما سمعه منهم في

--> ( 1 ) الوفيات 1 : 211 - 212 وقد تعقبه من بعد على نحو مباشر لأنه أخطأ فعد الوزير يحيى بن هبيرة من نسل الوالي الأموي عمر بن هبيرة « ومثل ابن دحية لا يعذر فقد كان حافظا ومطلعا على أمور الناس » ( 6 : 243 ) . ( 2 ) الوفيات 5 : 311 . ( 3 ) الوفيات 5 : 317 .